أبو نصر الفارابي
144
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
ملتهم ، فهم كلهم يؤمّون سعادة واحدة بعينها ومقاصد واحدة بأعيانها « 1 » . وهذه الأشياء المشتركة ، إذا كانت معلومة ببراهينها ، لم يمكن أن يكون فيها موضع عناد بقول أصلا ، لا على جهة المغالطة ولا عند من يسوء فهمه لها . فحينئذ يكون للمعاند ، لا ( حقيقة ) الأمر في نفسه ، ولكن ما فهمه هو من الباطل في الأمر . فاما إذا كانت معلومة بمثالاتها التي تحاكيها ، فان مثالاتها قد تكون فيها مواضع للعناد ، وبعضها يكون فيه مواضع العناد أقل ، وبعضها يكون فيها مواضع العناد أكثر ، وبعضها يكون فيه مواضع العناد أظهر ، وبعضها يكون فيه أخفى « 2 » . ولا يمتنع أن يكون في الذين عرفوا تلك الأشياء بالمثالات المحاكية ، من يقف على مواضع العناد في تلك المثالات ويتوقف عنده ، وهؤلاء أصناف « 3 » : صنف مسترشدون ، فما تزيّف عند أحد من هؤلاء شيء ما رفع إلى مثال آخر أقرب إلى الحق ، لا يكون فيه ذلك العناد ، فان قنع به ترك ، وان تزيّف عنده ذلك أيضا رفع إلى مرتبة أخرى ، فان قنع به ترك . وكلما تزيّف عنده مثال في مرتبة ما رفع فوقها ، فان تزيّفت عنده المثالات كلّها وكانت فيه نية للوقوف على الحق عرف
--> ( 1 ) يعرف أهل المدينة الفاضلة هذه المعلومات بطريقتين رئيستين هما البرهان والمحاكاة . وطريقة الحكماء البرهانية أفضل من طريقة العامة التمثيلية . ( 2 ) لا عناد في البرهان أما التمثيل فعرضة للمعاندة . ( 3 ) أصناف المعاندين : .