أبو نصر الفارابي
143
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
أنفسهم ، والمدن المضادة لها وما تؤول إليه أنفسهم بعد الموت : اما بعضهم إلى الشقاء واما بعضهم إلى العدم ، ثم الأمم الفاضلة والأمم المضادة لها « 1 » . وهذه الأشياء تعرف بأحد وجهين : إما أن ترتسم في نفوسهم كما هي موجودة ، وإما أن ترتسم فيها بالمناسبة والتمثيل ، وذلك أن يحصل في نفوسهم مثالاتها التي تحاكيها . فحكماء المدينة الفاضلة هم الذين يعرفون هذه ببراهين وببصائر أنفسهم . ومن يلي الحكماء يعرفون هذه على ما هي عليه موجودة ببصائر الحكماء اتباعا لهم وتصديقا لهم وثقة بهم . والباقون منهم يعرفونها بالمثالات التي تحاكيها ، لأنهم لا هيئة في أذهانهم لتفهمها على ما هي موجودة إما بالطبع وإما بالعادة وكلتاهما معرفتان . الا أن التي للحكيم أفضل لا محالة ؛ والذين يعرفونها بالمثالات التي تحاكيها ، بعضهم يعرفونها بمثالات قريبة منها ، وبعضهم بمثالات أبعد قليلا ، وبعضهم بمثالات أبعد من تلك ، وبعضهم بمثالات بعيدة جدا . وتحاكى هذه الأشياء لكل أمة ولأهل كل مدينة بالمثالات التي عندهم الأعرف فالأعرف ، وربما اختلف عند الأمم اما أكثره واما بعضه ، فتحاكي هذه لكل أمة بغير الأمور التي تحاكي بها الأمة الأخرى . فلذلك يمكن أن يكون أمم فاضلة ومدن فاضلة تختلف
--> ( 1 ) المعارف التي ينبغي أن يحصلها أهل المدينة الفاضلة ليسعدوا هي فلسفة الفارابي التي تضمنها هذا الكتاب ابتداء من معرفة الله وصفاته وانتهاء بالأمم الفاضلة والأمم المضادة لها ، مرورا بالثواني والعقل الفعّال وكون الأجسام الطبيعية وفسادها وكون الانسان وقواه ورئيس المدينة الفاضلة وأهلها والمدن المضادة ومصير نفوسهم بعد الموت .