أبو نصر الفارابي

139

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

الأجزاء من الاسطقسات التي إليها انحلت هذه . فان اتفق أن تختلط تلك الأجزاء اختلاطا يكون عنه انسان ، عاد فصار هيئة في انسان ؛ وان اتفق أن تختلط اختلاطا يكون عنه نوع آخر من الحيوان أو غير الحيوان ، عاد صورة لذلك الشيء . وهؤلاء هم الهالكون والصائرون إلى العدم ، على مثال ما يكون عليه البهائم والسباع والأفاعي « 1 » . وأما أهل المدينة الفاسقة ، فان الهيئات النفسانية التي اكتسبوها من الآراء الفاضلة ، فهي تخلص أنفسهم من المادة ، والهيئات النفسانية الرديئة التي اكتسبوها من الأفعال الرذيلة ، فتقترن إلى الهيئات الأولى ، فتكدر الأولى وتضادها ؛ فيلحق النفس من مضاده هذه لتلك أذى عظيم ، وتضاد تلك الهيئات هذه ، فيلحق هذه من تلك أيضا أذى عظيم . فيجتمع من هذين أذيان عظيمان للنفس . وان هذه الهيئات المستفادة من أفعال الجاهلة هي بالحقيقة يتبعها أذى عظيم في الجزء الناطق من النفس . وانما صار الجزء الناطق لا يشعر بأذى هذه لتشاغله بما تورد عليه الحواسّ . فإذا انفرد دون الحواس ، شعر بما يتبع هذه الهيئات من الأذى ، ويخلصها من المادة ، ويفرّدها عن الحواس وعن جميع الأشياء الواردة عليها من خارج « 2 » . كما أن الانسان المغتم ، متى أورد الحواس عليه ما يشغله ، لم يتأذ بما يغمه ولم يشعر به ، حتى إذا انفرد دون الحواس ، عاد الأذى

--> ( 1 ) أهل المدن الجاهلة يهلكون ويصيرون إلى العدم مثل البهائم والأفاعي . ( 2 ) نفوس أهل المدن الفاسقة تتألم من الأفعال الرديئة ، ولكنها تتخلص من المادة بفضل الآراء الفاضلة التي اكتسبتها .