أبو نصر الفارابي
136
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
فيكون بعضهم قد احتوى من هذه على جودة الخطّ مثلا وعلى شيء من الخطابة ؛ وآخر احتوى على اللغة وعلى شيء من الخطابة وعلى جودة الخط ؛ وآخر على الأربعة كلها « 1 » . والتفاضل في الكيفية هو أن يكون اثنان احتويا من أجزاء الكتابة على أشياء بأعيانها ، ويكون أحدهما أقوى فيما احتوى عليه وأكثر دراية . فهذا هو التفاضل في الكيفية « 2 » . والسعادات تتفاضل بهذه الأنحاء أيضا . وأما أهل سائر المدن ، فان أفعالهم ، لما كانت رديئة ، أكسبتهم هيئات نفسانية رديئة ، كما أن أفعال الكتابة متى كانت رديئة على غير ما شأن الكتابة أن تكون عليها ، تكسب الانسان كتابة أسوأ رديئة ناقصة . وكلما ازدادت من تلك الأفعال ازدادت صناعته نقصا . وكذلك الأفعال الرديئة من أفعال سائر المدن تكسب أنفسهم هيئات رديئة ناقصة ، وكلما واظب واحد منهم على تلك الأفعال ازدادت هيئته النفسانية نقصا ، فتصير أنفسهم مرضى . فلذلك ربما التذّوا بالهيئات التي يستفيدونها بتلك الأفعال ، كما أن مرضى الأبدان ، مثل كثير من المحمومين ، لفساد مزاجهم ، يستلذّون الأشياء التي ليس شأنها أن يلتذّ بها من الطعوم ، ويتأذّون بالأشياء التي شأنها أن تكون لذيذة ، ولا يحسون بطعوم الأشياء الحلوة التي من شأنها أن تكون لذيذة . كذلك مرضى الأنفس ، بفساد تخيّلهم الذي اكتسبوه بالإرادة والعادة ،
--> ( 1 ) الصنائع تتفاضل بالكمية . ( 2 ) الصنائع تتفاضل بالكيفية .