أبو نصر الفارابي
120
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
للمادة ، ومقاربة من العقل الفعّال ، ويسمّى العقل المستفاد ، ويصير متوسطا بين العقل المنفعل وبين العقل الفعّال ، ولا يكون بينه وبين العقل الفعّال شيء آخر . فيكون العقل المنفعل كالمادة والموضوع للعقل المستفاد ، والعقل المستفاد كالمادة والموضوع للعقل الفعّال . والقوة الناطقة ، التي هي هيئة طبيعية ، تكون مادة موضوعة للعقل الفعّال الذي هو بالفعل عقل « 1 » . وأول الرتبة التي بها الانسان انسان هو أن تحصل الهيئة الطبيعية القابلة المعدّة لأن يصير عقلا بالفعل . وهذه هي المشتركة للجميع ؛ فبينها وبين العقل الفعّال رتبتان ( هما ) : أن يحصل العقل المنفعل بالفعل ، وأن يحصل العقل المستفاد . وبين هذا الانسان الذي بلغ هذا المبلغ من أول رتبة الانسانية وبين العقل الفعّال رتبتان . وإذا جعل العقل المنفعل الكامل والهيئة الطبيعية كشيء واحد ، على مثال ما يكون المؤتلف من المادة والصورة شيئا واحدا ، وإذا أخذ هذا الانسان صورة انسانية ، هو العقل المنفعل الحاصل بالفعل ، كان بينه وبين العقل الفعّال رتبة واحدة فقط . وإذا جعلت الهيئة الطبيعية مادة العقل المنفعل [ الذي صار عقلا بالفعل ] ، والمنفعل مادة المستفاد ، والمستفاد مادة العقل الفعّال ، وأخذت جملة ذلك كشيء واحد ، كان هذا الانسان هو الانسان الذي حلّ فيه العقل الفعّال « 2 » .
--> ( 1 ) يستكمل عقل الانسان عندما يصبح عقلا مستفادا . والعقل المستفاد هو العقل بالفعل وقد حصل على جميع المعقولات . ( 2 ) مراتب العقل ثلاث هي : العقل المستفاد - العقل بالفعل - العقل المنفعل أو الهيولاني .