أبو نصر الفارابي

114

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

والمدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح ، الذي تتعاون أعضاؤه كلها على تتميم حياة الحيوان ، وعلى حفظها عليه . وكما أن البدن أعضاؤه مختلفة متفاضلة الفطرة والقوى ، وفيها عضو واحد رئيس وهو القلب ، وأعضاؤه تقرب مراتبها من ذلك الرئيس ، وكل واحد منها جعلت فيه بالطبع قوة يفعل بها فعله ، ابتغاء لما هو بالطبع غرض ذلك العضو الرئيس ، وأعضاء أخر فيها قوى تفعل أفعالها على حسب أغراض هذه التي ليس بينها وبين الرئيس واسطة - فهذه في الرتبة الثانية - وأعضاء أخر تفعل الأفعال على حسب غرض هؤلاء الذين في هذه المرتبة الثانية ، ثم هكذا إلى أن تنتهي إلى أعضاء تخدم ولا ترؤس أصلا . وكذلك المدينة ، أجزاؤها مختلفة الفطرة ، متفاضلة الهيئات . وفيها انسان هو رئيس ، وأخر يقرب مراتبها من الرئيس . وفي كل واحد منها هيئة وملكة يفعل بها فعلا يقتضي به ما هو مقصود ذلك الرئيس . وهؤلاء هم أولو المراتب الأول . ودون هؤلاء قوم يفعلون الأفعال على حسب أغراض هؤلاء ، وهؤلاء هم في الرتبة الثانية . ودون هؤلاء أيضا من يفعل الأفعال على حسب أغراض هؤلاء . ثم هكذا تترتب أجزاء المدينة إلى أن تنتهي إلى أخر يفعلون أفعالهم على حسب أغراضهم ، فيكون هؤلاء هم الذين يخدمون ولا يخدمون ، ويكونون في أدنى المراتب ، ويكونون هم الأسفلين « 1 » . غير أن أعضاء البدن طبيعية ، والهيئات التي لها قوى طبيعية

--> ( 1 ) المدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح ، فتتركب مثله من أجزاء مختلفة الفطرة متفاضلة الهيئات فيها رئيس وطبقات متراتبة .