أبو نصر الفارابي

111

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

ثم يتفاوت هؤلاء تفاوتا كثيرا : فمنهم من يقبل الجزئيات ويراها في اليقظة فقط ولا يقبل المعقولات ؛ ومنهم من يقبل المعقولات ويراها في اليقظة ، ولا يقبل الجزئيات ؛ ومنهم من يقبل بعضها ويراها دون بعض ؛ ومنهم من يرى شيئا في يقظته ولا يقبل بعض هذه في نومه ؛ ومنهم من لا يقبل شيئا في يقظته ، بل إنما يقبل ما يقبل في نومه فقط ، فيقبل في نومه الجزئيات ولا يقبل المعقولات ، ومنهم من يقبل شيئا من هذه وشيئا من هذه ؛ ومنهم من يقبل شيئا من الجزئيات فقط ؛ وعلى هذا يوجد الأكثر . والناس أيضا يتفاضلون في هذا « 1 » . وكل هذه معاونة للقوة الناطقة . وقد تعرض عوارض يتغيّر بها مزاج الانسان ، فيصير بذلك معدا لأن يقبل عن العقل الفعّال بعض هذه في وقت اليقظة أحيانا ، وفي النوم أحيانا . فبعضهم يبقى ذلك فيهم زمانا ، وبعضهم إلى وقت ما ثم يزول . وقد تعرض أيضا للانسان عوارض ، فيفسد بها مزاجه وتفسد تخاييله ؛ فيرى أشياء مما تركبه القوة المتخيلة على تلك الوجوه مما ليس لها وجود ، ولا هي محاكاة لموجود . وهؤلاء الممرورون والمجانين وأشباههم « 2 » .

--> ( 1 ) تفاوت الناس في قبول ما يفيض على مخيلتهم من العقل الفعّال . ( 2 ) قد تفسد المتخيلة فتركب أشياء ليس لها وجود وليست محاكاة لموجود كما هو حال المجانين والممرورين .