أبو نصر الفارابي
101
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
الوجود إلى حيث لا تحتاج في قوامها إلى مادة ، وذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام ، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد ، وأن تبقى على تلك الحال دائما أبدا . إلا أن رتبتها تكون دون رتبة العقل الفعّال « 1 » . وإنما تبلغ ذلك بأفعال ما إرادية ، بعضها أفعال فكرية ، وبعضها أفعال بدنية ، وليست بأي أفعال اتفقت ، بل بأفعال ما محدودة مقدرة تحصل عن هيئات ما وملكات ما مقدّرة محدودة . وذلك أن من الأفعال الإرادية ما يعوق عن السعادة . والسعادة هي الخير المطلوب لذاته ، وليست تطلب أصلا ولا في وقت من الأوقات لينال بها شيء آخر ، وليس وراءها شيء آخر يمكن أن يناله الانسان أعظم منها « 2 » . والأفعال الإرادية التي تنفع في بلوغ السعادة هي الأفعال الجميلة . والهيئات والملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي الفضائل . وهذه خيرات هي لا لأجل ذواتها بل انما هي خيرات لأجل السعادة . والأفعال التي تعوق عن السعادة هي الشرور ، وهي الأفعال القبيحة . والهيئات والملكات التي عنها تكون هذه الأفعال هي النقائص والرذائل والخسائس « 3 » . فالقوة الغاذية التي في الانسان انما جعلت لتخدم البدن ، وجعلت الحاسة والمتخيلة لتخدما البدن ولتخدما القوة الناطقة . وخدمة هذه الثلاثة للبدن راجعة إلى خدمة القوة الناطقة ، إذ كان قوام الناطقة أولا بالبدن .
--> ( 1 ) السعادة هي حصول المعقولات للانسان . ( 2 ) السعادة هي الخير المطلوب لذاته . ( 3 ) بالأعمال الفاضلة نبلغ السعادة .