أبو نصر الفارابي
97
كتاب السياسة المدنية
وأكثر الناس لا قدرة لهم إما بالفطرة وإما بالعادة على تفهم تلك وتصورها . فأولئك ينبغي أن تخيل إليهم مبادئ الموجودات ومراتبها والعقل الفعال والرئاسة الأولى كيف تكون بأشياء تحاكيها . ومعاني تلك وذواتها هي واحدة لا تتبدل . وأما ما تحاكى بها فأشياء كثيرة مختلفة بعضها أقرب إلى المحاكاة وبعضها أبعد . كما يكون ذلك في المبصرات : فإن خيال الإنسان المرئي في الماء هو أقرب إلى الإنسان في الحقيقة من خيال تمثال الإنسان المرئي في الماء . ولذلك أمكن أن تحاكى هذه الأشياء لكل طائفة ولكل أمة بغير الأمور التي تحاكى بها للطائفة الأخرى أو للأمة الأخرى . فلذلك قد يمكن أن تكون أمم فاضلة ومدن فاضلة تختلف مللهم وإن كانوا كلهم يؤمون سعادة واحدة بعينها . فإن الملة « 1 » هي رسوم هذه أو رسوم خيالاتها في النفوس . فإن الجمهور لما عسر عليهم تفهم هذه الأشياء أنفسها وعلى ما هي عليه من الوجود التمس تعليمهم لها بوجوه أخر وتلك هي وجوه المحاكاة . فتحاكى هذه الأشياء لكل طائفة أو أمة بالأشياء التي هي أعرف عندهم . وقد يمكن أن يكون الأعرف عند كل واحد منهم غير الأعرف عند الآخر . وأكثر الناس الذين يؤمون السعادة إنما يؤمونها متخيلة لا متصورة . وكذلك المبادي التي سبيلها أن تتقبل ويقتدى بها وتعظم وتجل إنما يتقبلها أكثر الناس وهي متخيلة عندهم لا متصورة . والذين يؤمون السعادة
--> ( 1 ) يعني بالملة هنا الشريعة .