أبو نصر الفارابي
95
كتاب السياسة المدنية
تبتدئ من الأول وتنتهي إلى المادة الأولى والأسطقسات ، وارتباطها وائتلافها شبيها بارتباط الموجودات المختلفة بعضها ببعض وائتلافها . ومدبر تلك المدينة شبيه بالسبب الأول الذي به وجود سائر الموجودات . ثم لا تزال مراتب الموجودات تنحط قليلا قليلا فيكون كل واحد منها رئيسا ومرءوسا إلى أن تنتهي الموجودات الممكنة التي لا رئاسة لها أصلا بل هي خادمة وتوجد لأجل غيرها وهي المادة الأولى والأسطقسات « 1 » . وبلوغ السعادة إنما يكون بزوال الشرور عن المدن وعن الأمم ، ليست الإرادية منها فقط بل والطبيعية ، وأن تحصل لها الخيرات كلها الطبيعية والإرادية . ومدبر المدينة ، وهو الملك ، إنما فعله أن يدبر المدن تدبيرا ترتبط به أجزاء المدينة بعضها ببعض وتأتلف وترتب ترتيبا يتعاونون به على إزالة الشرور وتحصيل الخيرات « 2 » وأن ينظر في كل ما أعطته الأجسام السماوية ، فما كان منها معينا ملائما بوجه ما نافعا بوجه ما في بلوغ السعادة استبقاه وزيد فيه ، وما كان ضارا اجتهد في أن يصيّره نافعا ، وما لم يمكن ذلك فيه أبطله أو قلله ؛ وبالجملة يلتمس إبطال الشرين جميعا وإيجاب الخيرين جميعا .
--> ( 1 ) لم يسم الفارابي المراتب التي ينقسم إليها أهل المدينة ولكنه حددها وسماها في كتاب فصول منتزعة . ( 2 ) رئيس المدينة يدبر أمورها ويؤلف بين أجزائها ويزيل الشرور ويحث على الخيرات .