أبو نصر الفارابي
81
كتاب السياسة المدنية
ينبغي أن يكون هو الوكد والغاية في الحياة مثل اللذيذ والنافع ومثل الكرامة وأشباه ذلك . ومتى توانى الإنسان في تكميل الجزء الناطق النظري فلم يشعر بالسعادة فينزع نحوها ونصب الغاية التي يقصدها في حياته شيئا آخر سوى السعادة من نافع أو لذيذ أو غلبة أو كرامة واشتاقها بالنزوعية وروّي في استنباط ما ينال به تلك الغاية بالناطقة العملية وفعل تلك الأشياء التي استنبطها بآلات القوة النزوعية وساعدته المتخيلة والحساسة على ذلك كان الذي يحدث حينئذ شرا كله . وكذلك إذا كان الإنسان قد أدرك السعادة وعرفها إلا أنه لم يجعلها وكده وغايته ولم يتشوقها أو تشوقها تشوقا ضعيفا وجعل غايته التي يتشوقها في حياته شيئا آخر سوى السعادة واستعمل سائر قواه في أن ينال بها تلك الغاية كان الذي يحدث عنه شرا كله « 1 » . يبلغ الإنسان السعادة إذا وجد بفطرته استعداد لقبول المعقولات من العقل الفعال وإذا كان المقصود بوجود الإنسان أن يبلغ السعادة ، وكان ذلك هو الكمال الأقصى الذي بقي أن يعطاه ما يمكن أن يقبله من الموجودات
--> ( 1 ) يذكر الفارابي العوامل التي تدفع المرء إلى عمل الشر وهي جهل الناطقة بالسعادة الحقة وتوهمها إياها في اللذة أو الكرامة أو النفع وأشباه ذلك ، واشتياق هذه المتوهمات والسعي إليها ومساعدة المتخيلة والحساسة في القصد إليها .