أبو نصر الفارابي
70
كتاب السياسة المدنية
الحيوان الناطق بهذه الوجوه الثلاثة . فإن بعضها يعينه على طريق المادة وبعضها على طريق الخدمة وبعضها على طريق الآلة . وأما الحيوان الناطق « 1 » فإنه إذ لم يكن جنس آخر من الممكنة أفضل منه ، لم يكن له معونة من الوجوه لشيء آخر أفضل منه . وذلك أنه بالنطق لا يكون مادة لشيء أصلا لا لما فوقه ولا لما دونه ، ولا آلة لشيء آخر غيره أصلا ، ولا بالطبع خادما لغيره أصلا . وأما معونته بما هو ناطق فبالنطق والإرادة لا بالطبع لما سواه من الممكنة ، وبعضه لبعض . فلنترك ذكرها الآن ، فإنه ربما فعل بالنطق أفعالا تصير بالعرض خدمة لكثير من الأشياء الطبيعية ، مثل تفجير المياه وغرس الأشجار وبذر الحبوب وإنتاج الحيوان ورعيها وما أشبه ذلك . وأما بالطبع فليس منه شيء يخدم نوعا آخر سوى نوعه ، ولا له أيضا شيء يخدم به غير نوعه ، ولا شيء منه آلة لنوع آخر أصلا . وأما معونة الأشرف للأدنى من أجناس الأشياء الممكنة فإنه كما قلنا فليس شيء من الحيوان الناطق يخدم ولا يعين ما دونه من الأنواع أصلا وذلك بصورته . وهذا ينبغي أن يفهم عنا في معونة الأنواع بعضها لبعض « 2 » .
--> ( 1 ) يعني بالحيوان الناطق الإنسان . ( 2 ) الإنسان أشرف الكائنات الأرضية وهو لا يخدم بالطبع أي كائن أرضي وكل الكائنات تخدمه . ولكن بالإرادة والنطق وليس بالطبع يمكن أن يخدم الكائنات الأخرى ويغير أو يخدم الطبيعة والحيوانات والنباتات .