أبو نصر الفارابي

61

كتاب السياسة المدنية

والموجودات الممكنة لما لم يكن لها في أنفسها كفاية في أن تسعى من تلقاء أنفسها إلى ما بقي عليها من الوجودات ، إذ كانت إنما أعطيت المادة الأولى فقط ، ولا إذا حصل لها وجود كان فيها كفاية أن تحفظ وجوداتها على أنفسها ، ولا أيضا إذا كان لها قسط وجود عند ضدها أمكنها من تلقاء نفسها أن تسعى لاستيفائه ، لزم ضرورة أن يكون لكل واحد منها من خارج فاعل يحركه وينهضه نحو الذي له ، وإلى حافظ يحفظ عليه ما حصل له من الوجود . والفاعل الأول الذي يحركها نحو صورها ويحفظها عليها إذا حصلت لها هو الجسم السماوي وأجزاؤه « 1 » . ويفعل ذلك على وجوه : منها أن يحرك بغير توسط وبغير آلة شيئا منها إلى الصورة التي بها وجوده . ومنها أن يعطي المادة قوة تنهض بها من تلقاء نفسها فتتحرك نحو الصورة التي بها وجودها . ومنها أن يعطي شيئا ما قوة يحرّك ذلك الشيء بتلك القوة شيئا آخر غيره إلى الصورة التي بها وجود ذلك الآخر . ومنها أن يعطي شيئا ما قوة يعطي ( بها ) ذلك الشيء شيئا آخر قوة يحرك بها ذلك الآخر مادة ما إلى الصورة التي شأنها أن توجد في المادة . وفي هذا يكون قد حرك المادة بتوسط شيئين ، وكذلك قد يكون تحريكه للمادة بتوسط ثلاثة أشياء وأكثر على هذا الترتيب « 2 » .

--> ( 1 ) الموجودات الممكنة محتاجة إلى الجسم السماوي ليعطيها الصور ويحفظها ويبدلها على المادة . فالجسم السماوي يحركها إلى صورها ويحفظها عليها . ( 2 ) الجسم السماوي يحرك الموجودات الممكنة إلى صورها مباشرة أو بواسطة .