أبو نصر الفارابي
6
كتاب السياسة المدنية
والله هو السبب الأول لوجود الثواني والعقل الفعال ، والثواني هي أسباب وجود الأجرام السماوية ، والأجرام السماوية يلزم عنها وجود المادة الأولى ، والصور الكثيرة المختلفة على المادة الأولى ، ومن اتحادهما تتكون الأجسام الأرضية . والله واحد ولكن الثواني تسعة على عدد الأجسام السماوية التسعة ، وهي السماء الأولى ، والكواكب الثانية ، وزحل ، والمشتري ، والمريخ ، والشمس ، والزهرة ، وعطارد ، والقمر . والعقل الفعال واحد مهمته العناية بالعقل البشري وإخراجه من القوة إلى الفعل ، وإبلاغه السعادة بما يفيض عليه من المعلومات . أما النفس فمتنوعة ، منها أنفس الأجسام السماوية ، ومنها أنفس الإنسان ومنها أنفس الحيوان . وللنفس الإنسانية قوى هي الحساسة والمتخيلة والنزوعية والناطقة . وبالناطقة يحصّل المرء العلوم والصناعات . ولنفس الحيوان قوى الإحساس والتخيل والنزوع ولكنها لا تملك قوة النطق . أما أنفس الأجسام السماوية فأكمل من هذه النفوس في النوع ، وعنها تتحرك ، وبها تعقل بالفعل معقولاتها دائما ، وليس لها قوى الإحساس والتخيل والنزوع كنفوسنا . أما الصورة والمادة فهما مبدأ الأجسام التي توجد على الأرض . يكون الجسم باتحادهما ويفسد بانفصالهما . المادة موضوعة لحمل الصورة ، والصورة قوامها المادة . ولا يمكن أن توجد المادة الأولى خلوا من الصورة ، والصورة ليس لها قوام بذاتها وهي محتاجة إلى أن تكون