أبو نصر الفارابي

43

كتاب السياسة المدنية

فائق لجمال كل ذي جمال . وكذلك زينته وبهاؤه وجماله له بجوهره وذاته ، وذلك في نفسه وبما يعقله من ذاته . وإذا كانت اللذة والفرح والسرور والغبطة إنما تتبع وتحصل أكثر بأن يدرك الأجمل بالإدراك الأتقن وإذا كان هو الأجمل على الإطلاق والأبهى والأزين وإدراكه لذاته الإدراك الأتقن والعلم الأفضل ، فاللذة التي يلتذّ بها الأول لذة لا نفهم نحن كنهها ولا ندري مقدار عظمها إلا بالقياس والإضافة إلى يسير ما نجده من اللذة عندما نظن أنّا أدركنا ما هو عندنا أجمل وأبهى إدراكا أتقن ، إما بإحساس أو تخيل أو بعلم عقلي « 1 » . فإذ كنّا نحن عند هذه الحال يحصل لنا من اللذة ما نظن أنه فائق لكل لذة في العظم ونكون نحن عند أنفسنا مغبوطين بما نلنا من ذلك غاية الغبطة . فقياس علمه وإدراكه الأفضل والأجمل إلى علمنا نحن وإدراكنا الأجمل والأبهى هو قياس سروره ولذته واغتباطه بنفسه إلى ما ينالنا نحن عند ذلك من اللذة والسرور والاغتباط بأنفسنا . وإذا كان لا نسبة لإدراكنا نحن إلى إدراكه ولا لمعلومنا إلى معلومه ، وإن كانت له نسبة فهي نسبة ما يسيرة ، فإذن لا نسبة لملاذنا وسرورنا واغتباطنا بأنفسنا إلى ما للأول من ذلك ، وإن كانت نسبة فهي نسبة يسيرة جدا « 2 » . فإنه كيف تكون نسبة لما هو جزء يسير إلى ما مقداره غير متناه

--> ( 1 ) الله مغتبط مسرور ملتذ ، ولذته متسببة عن إدراكه لذاته الجميلة لأن الجمال مصدر اللذة . ( 2 ) لا نسبة بين لذتنا ولذة الله .