أبو نصر الفارابي
35
كتاب السياسة المدنية
2 - فضيلة الثواني والعقل الفعال ونقصهما وأما الجواهر غير الجسمانية فليس يلحقها شيء من النقص الذي يخص الصورة والمادة . فإن كل واحد منها قوامه لا في موضوع ؛ ووجود كل واحد منها لا لأجل غيره ، لا على طريق المادة ولا على طريق الآلة لغيره ، ولا على طريق الخدمة لغيره ، ولا به حاجة إلى أن يزيد وجودا يستفيده في المستقبل بفعله في غيره أو بفعل غيره فيه . وإنه أيضا لا ضدّ لشيء منها ، ولا عدم يقابله ، وهذه أولى بأن تكون جواهر من الصورة والمادة « 1 » . والثواني والعقل الفعال دون الأول ، وإن كان ليس يلحقها هذه الوجوه من النقص ، فإنها ليست تتعرى من نقص أيضا غير هذه . وذلك أن جواهرها مستفادة من غيرها ، ووجودها تابع لوجود غيرها ، وجواهرها لم تبلغ من الكمال إلى حيث تكتفي بأنفسها عن أن تستفيد الوجود عن غيرها ، بل وجودها فائض عليها عمّا هو أكمل وجودا منها . وهذا نقص يعمّ كل موجود سوى الأول « 2 » . ومع ذلك فإن الثواني والعقل الفعال ليس واحد منها يكتفي في أن يحصل له بهاء الوجود وزينته ، ولا الغبطة والالتذاذ والجمال بأن يقتصر على أن يعقل ذاته وحدها ، لكن يحتاج في ذلك إلى أن يعقل
--> ( 1 ) يقصد بالجواهر غير الجسمانية الله والثواني والعقل الفعال . إنها لا تحتاج إلى غيرها ولا تنعدم ولا ضد لها . ( 2 ) الثواني والعقل الفعال أقل كمالا من الله لأنها تحتاج إليه لتوجد .