أبو نصر الفارابي

27

كتاب السياسة المدنية

تعقل وتعقل : فإنها تعقل من جهة ما تعقل ، والمعقول منها هو الذي يعقل ، وليست سائر المعقولات كذلك . وذلك أن الحجارة والنبات ، مثلا ، هي معقولة وليس ما يعقل منها هو أيضا يعقل . والتي هي أجسام أو هي في أجسام فليست هي بجواهرها معقولة ، ولا شيء منها رتبة جوهره عقل بالفعل ولكن العقل الفعال هو الذي يجعلها معقولات بالفعل ، ويجعل بعضها عقلا بالفعل ويرفعها عن الطبقة التي هي عليها من الوجود إلى رتبة في الوجود أرفع مما أعطيته بالطبع . من ذلك القوة الناطقة التي بها الإنسان إنسان ليست هي في جوهرها عقلا بالفعل ، ولم تعط بالطبع أن تكون عقلا بالفعل ، ولكن العقل الفعال يصيّرها عقلا بالفعل ، ويجعل سائر الأشياء معقولة بالفعل للقوة الناطقة . فإذا حصلت القوة الناطقة عقلا بالفعل ، صار أيضا ذلك العقل الذي هو الآن بالفعل شبيها بالأشياء المفارقة يعقل ذاته التي هي بالفعل عقل ، وصار المعقول منه هو الذي يعقل . ويكون حينئذ جوهرا يعقل بأن يكون معقولا من جهة ما يعقل . فيكون حينئذ العاقل والمعقول والعقل فيه شيئا واحدا بعينه . فبهذا يصير في رتبة العقل الفعال . وهذه الرتبة إذا بلغها الإنسان كملت سعادته « 1 » .

--> ( 1 ) يريد أن يقول إنّ العقل الفعال يجعل المعقولات بالقوة معقولات بالفعل ، وينقل عقل الإنسان الهيولاني من القوة إلى الفعل . وعندما يجعل عقلا بالفعل يغدو شبيها بالعقول المفارقة فيعقل ذاته ، ويصبح مثل العقل الفعال عقلا وعاقلا ومعقولا ، ويكون حينئذ العاقل والعقل والمعقول فيه شيئا واحدا .