أبو نصر الفارابي
24
كتاب السياسة المدنية
السماوية ، ومنها أنفس الحيوان الناطق ، ومنها أنفس الحيوان غير الناطق . والتي للحيوان الناطق هي القوة الناطقة ، والقوة النزوعية ، والقوة المتخيلة ، والقوة الحساسة . فالقوة الناطقة هي التي بها يحوز الإنسان العلوم والصناعات ، وبها يميز بين الجميل والقبيح من الأفعال والأخلاق ، وبها يروّي فيما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل ، ويدرك بها مع هذه النافع والضّار والملذ والمؤذي . والناطقة منها نظرية ومنها عملية . والعملية منها مهنية ومنها مروية . فالنظرية هي التي يحوز بها الإنسان علم ما ليس شأنه أن يعمله إنسان أصلا . والعملية هي التي بها يعرف ما شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته . والمهنية منها هي التي بها تحاز الصناعات والمهن . والمروية هي التي يكون بها الفكر والروية في شيء شيء مما ينبغي أن يعمل أو لا يعمل . والنزوعية هي التي يكون بها النزوع الإنساني بأن يطلب الشيء أو يهرب منه ، ويشتاقه أو يكرهه ، ويؤثره أو يتجنبه . وبها يكون البغضة والمحبة والصداقة والعداوة والخوف والأمن والغضب والرضا والقسوة والرحمة وسائر عوارض النفس . والمتخيلة هي التي تحفظ رسوم المحسوسات بعد غيبتها عن الحسّ ، وتركب بعضها إلى بعض ، وتفصل بعضها عن بعض ، في اليقظة والنوم ، تركيبات وتفصيلات بعضها صادق وبعضها كاذب . ولها مع ذلك إدراك النافع والضار ، واللذيذ والمؤذي ، دون الجميل والقبيح ، من الأفعال والأخلاق . والحساسة بيّن أمرها ، وهي التي تدرك