أبو نصر الفارابي

121

كتاب السياسة المدنية

يفعلونه من ذلك السعادة بل شيئا آخر مما يجوز أن يناله الإنسان بالفضيلة من كرامة أو رئاسة أو يسار أو غير ذلك . فهؤلاء يسمون متقنّصين . ومنهم من يكون له هوى في شيء من غايات أهل الجاهلة فتمنعه شرائع المدينة وملتها من ذلك ، فيعمد إلى ألفاظ واضع السنة وأقاويله في وصاياه فيتأولها على ما يوافق هواه ويحسّن ذلك الشيء بذلك التأويل ، وهؤلاء يسمون المحرّفة . ومنهم من ليس يقصد تحريفا ولكن لسوء فهمه عن قصد واضع السنة ونقصان تصوره لأقاويله يفهم أمور شرائع المدينة على غير مقصد واضع السنة ، فتصير أفعاله خارجة عن مقصد الرئيس الأول فيضل ولا يشعر ، فهؤلاء هم المارقة . وصنف آخر يكونون قد تخيلوا الأشياء التي ذكرناها إلا أنهم يكونون غير قنعين بما تخيلوا منها فيزيفونها عند أنفسهم وعند غيرهم بأقاويل ، ويكونون بما يفعلونه من ذلك غير معاندين للمدينة الفاضلة ولكن مسترشدين وطالبين للحق . فمن كان هكذا رفعت طبقته في التخيل إلى أشياء لا تتزيف بتلك الأقاويل التي يأتي بها . فإن قنع بما رفع إليه ترك ؛ وإن لم يقنع بتلك أيضا ووقف منها على مواضع يمكن أن تعاند رفع إلى طبقة أخرى . ولا يزال هكذا إلى أن يقنع ببعض تلك الطبقات . فإن لم يتفق له أن يقنع ببعض طبقات التخيل رفع إلى مرتبة الحق وفهّم تلك الأشياء على ما هي عليه . فعند ذلك يستقر رأيه . ومنهم صنف آخر يزيفون ما يتخيلونه ، فكلما رفعوا رتبة زيفوها