أبو نصر الفارابي

107

كتاب السياسة المدنية

فتكون هذه المدينة لأجل الأشياء مشبهة للمدينة الفاضلة « 1 » ، وخاصة إذا كانت الكرامات ومراتب الناس من الكرامات لأجل الأنفع فالأنفع لمن سواه إما من اليسار أو من اللذات أو من شيء آخر مما يهواه الطالب للمنافع . وهذه المدينة هي خير مدن أهل الجاهلة ، وهي التي يسمى أهلها دون أهلهم الجاهلة وأشباه هذه الأسامي . إلّا أنّ الأمر في محبة الكرامة إذا أفرط فيها جدا صارت مدينة الجبارين ، وكانت حرية أن تنتقل فتصير مدينة التغلب . ه - وأما مدينة التغلب واجتماع التغلب فهم الذين به يتعاونون على أن تكون لهم الغلبة . وإنما يكونون كذلك إذا عمهم جميعا محبة الغلبة ، ولكن تفاوتوا في محبتها بالأقل والأكثر ، وتفاوتوا في أنواع الغلبات وأنواع الأشياء التي يغلب الناس عليها ، مثل أن يكون بعضهم يحب الغلبة على دم الإنسان « 2 » وبعضهم يحب الغلبة على ماله « 3 » وبعضهم يحب الغلبة على نفسه حتى يستعبده « 4 » . ويترتب الناس فيها بمراتب بحسب عظم ما يحبه الواحد من الغلبة وصغر ما يحبه الأكثر . وتكون محبتهم لأن يغلبوا غيرهم إما على دمائهم وأرواحهم

--> ( 1 ) يحاول الفارابي أن يخفف من نقده لأهل المدينة الكرامية التي تنطبق على المجتمعات العربية ليتحاشى نقمة العرب عليه . ( 2 ) يعني بالغلبة على دم الإنسان سفك دمه أو قتله . ( 3 ) الغلبة على المال تعني سلب مال الغير أو انتزاعه منه . ( 4 ) الغلبة على النفس تعني استعباد الإنسان أو جعله عبدا .