أبو نصر الفارابي
105
كتاب السياسة المدنية
فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون له من الحسب أكثر مما لغيره إن كانت الرئاسة عندهم بالحسب فقط ، وكذلك إن كانت الكرامة عندهم باليسار فقط ؛ ثم يتفاضل الناس ويترتبون على مقدار اليسار والحسب ، ومن لم يكن له يسار أو حسب لم يدخل في شيء من الرئاسات والكرامات . وكذلك إن كانت الاستيهالات أمورا لا يتعداه خيرها . وهؤلاء هم أخس رؤساء الكرامة . وإن كان إنما أكرم لأجل نفعه لأهل المدينة فيما هو همة أهل المدينة وهواهم فذلك إما أن ينفعهم في اليسار وإما في اللذات وإما أن يصل إليهم من غيرهم كرامات أو أشياء أخر مما هو من شهوات أهل المدينة ، إما بأن يبذل لهم من نفسه هذه الأشياء أو ينيلهم إياها من حسن تدبيره ويحفظها عليهم . وأفضل هؤلاء الرؤساء عندهم من أنال أهل المدينة هذه الأشياء ولم يتلبس هو بشيء سوى الكرامة فقط . مثل أن ينيلهم اليسار ولا يطلب اليسار أو ينيلهم اللذات ولا يطلب اللذات بل يطلب الكرامة وحدها والمدح والإجلال والتعظيم بالقول والفعل ، وأن يشتهر اسمه بذلك عند سائر الأمم في زمانه وبعده يبقى ذكره زمانا طويلا . فهذا هو الذي يستأهل الكرامة عندهم . وهذا في كثير من الأوقات يحتاج إلى مال ويسار ليبذل ذلك فيما يصل به أهل المدينة إلى شهواتهم من يسار أو لذة ، وفيما يحفظ به عليهم . وإذا كانت أفعاله هذه أعظم فينبغي أن يكون يساره أعظم ويكون يساره ذلك عدة أهل المدينة « 1 » .
--> ( 1 ) هذا الوصف لرئيس أهل مدينة الكرامة ينطبق إلى حد ما على شيخ القبيلة العربية أو رئيسها الذي اتصف بالجود وبذل ماله لإقراء الضيوف ومساعدة المحتاجين .