أبو نصر الفارابي
103
كتاب السياسة المدنية
التساوي وإما على التفاضل . والكرامة بالتساوي هو إنما تكون بأن يتقارضوا الكرامة « 1 » : بأن يبذل أحدهم للآخر نوعا من الكرامة في وقت ليبذل له الآخر في وقت آخر ذلك النوع من الكرامة أو نوعا آخر قوته عندهم قوة ذلك النوع . والتي هي بالتفاضل هي أن يبذل أحدهما للآخر نوعا من الكرامة ويبذل الآخر للأول كرامة أعظم قوة من النوع الأول . ويجري هذا كله عندهم كذلك باستيهال : بأن يكون الثاني يستأهل كرامة إلى مقدار ما والأول يستأهل كرامة أعظم ، وذلك على حسب الاستيهالات عندهم . فإن الاستيهالات عند أهل الجاهلة ليست بالفضيلة لكن إما باليسار وإما بمؤاتاة أسباب اللذة واللعب « 2 » وبلوغ الأكثر من هذين وإما ببلوغ أكثر الضروري بأن يكون الإنسان مخدوما مكفيا كل ما يحتاج إليه من الضروري ، وإما أن يكون الإنسان نافعا وذلك بأن يكون حسن الفعال إلى آخرين من هذه الثلاثة . وهاهنا شيء آخر محبوب جدا عند كثير من أهل الجاهلة وهو الغلبة ، فإن الفائز بها عند كثير منهم مغبوط . ولذلك ينبغي أن يعدّ ذلك أيضا من الاستيهالات الجاهلة . فإن أجلّ ما ينبغي أن يكرّم الإنسان عليه عندهم أن يكون مشهورا بالغلبة من شيء أو شيئين أو أشياء كثيرة ، وأن لا يغلب إما بنفسه وإما لأجل كثرة أنصاره أو قوتهم
--> ( 1 ) يتقارضون الكرامة : يقرضها بعضهم لبعض ، يعطيها الواحد للآخر على أن يردها عليه ، ومنها القرض أو الدين . ( 2 ) يشترك أهل مدينة الكرامة مع أهل مدينة الخسة بمواتاة أسباب اللذة واللعب .