ابن رشد

146

تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة

الموضوع لتصوّر العقل الفعال إنما هو ذاته وما يعقل من مبادئه ، فإنما يعقلها بالمناسبة . وكذلك يلزم في الثالث والرابع إلى أن ينتهى الأمر « 1 » إلى المبدأ الأوّل . ولذلك « 2 » يخص المبدأ الأوّل أنه لا يعقل شيئا بالمناسبة ، فلذلك لا يعقل معقولا به نقص ، بل عقله أشرف العقول ، إذ كانت ذاته أشرف الذوات ، ولذلك ليس في ذاته تفاضل في الشرف ، بل هو الشريف بإطلاق من غير مقايسة . ولو كان ما يعقل المعلول من هذه المبادئ من علته هو هو بعينه ما تعقله « 3 » العلة من ذاتها لم تكن هناك مغايرة بين العلة والمعلول ، ولا كانت كثرة لهذه الأمور المفارقة أصلا . 49 - فقد ظهر من هذا القول على أىّ جهة يمكن فيها أن يقال إنها تعقل الأشياء كلها ؛ فإن الأمر في ذلك واحد في جميعها ، حتى في عقول الأجرام السماوية ، وعلى أىّ جهة يقال فيها إنها ليس تعقل ما دونها ، وانحلت بذلك « 4 » الشكوك المتقدمة ، فإنها بهذه الجهة يقال إنها عالمة بالشيء الذي صدر عنها ، إذ كان ما يصدر عن العالم بما هو عالم يلزم ضرورة كما قلنا أن يكون معلوما ، وإلا كان صدوره كصدور الأشياء الطبيعية بعضها عن بعض . وبهذا « 5 » القول تمسك القائلون بأن اللّه تعالى « 6 » يعلم الأشياء ، وبالقول الثاني تمسك القائلون بأنه لا يعلم ما دونه : وذلك أنهم لم يشعروا باشتراك اسم العلم ، فأخذوه على أنه يدلّ على معنى واحد ، فلزم « 7 » عن ذلك قولان متناقضان على جهة ما يلزم في الأقاويل التي تؤخذ أخذا مهملا . 50 - وكذلك الشبهة « 8 » التي قيلت فيما سلف تنحلّ بهذا ؛ وذلك أنه ليس النقص « 9 » في أن نعرف الشئ بمعرفة أتمّ ، ولا بمعرفة أنقص « 10 » ، وإنما النقص في خلاف « 11 » هذا ؛ فإن « 12 » من فاته أن يبصر الشئ بصرا رديئا وقد أبصره بصرا

--> ( 1 ) الأمر : ساقطة من ت ، ح . ( 2 ) ك ، ق : وكذلك . ( 3 ) ت ، ح : تعقل . ( 4 ) ت : بهذه . ح : بهذا . ( 5 ) ت : وهذا . ( 6 ) تعالى : ناقصة في م ، ت ، ح . ( 7 ) ت ، ح : فلزمهم . ( 8 ) ق ، ت ، ح : الشنعة . ( 9 ) ت : النقض . ( 10 ) م : ولا يعرفه . ت : ولا يعرفه بمعرفة . ( 11 ) م : خالف . ( 12 ) ق : فأما .