ابن رشد
142
تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة
المحسوس ونسبة بعضها إلى بعض ، فلننظر في الأمور التي تخصها ، ولنجعل كما قلنا نظرنا في ذلك مما تبين في علم النفس فنقول : أما أن كلّ واحدة من هذه المبادئ يعقل ذاته ، فذلك بيّن من أن العقل فينا « 1 » لما كان هذا شأنه ، أعنى أنه يعرض له عندما يعقل المعقولات أن يرجع فيعقل ذاته ، إذ كانت ذاته هي نفس المعقولات ، وكذلك « 2 » ما إذا كان العقل هنا هو المعقول بعينه فكم بالحرى أن يكون الأمر هكذا في هذه العقول المفارقة ؟ لأن العقل فينا « 3 » إذا كانت هذه خاصته من جهة ما ليس « 4 » منطبعا في هيولى ، وإن كان له مع ذلك تعلق بالهيولى ، فأحرى أن يكون الأمر كذلك في المعقول المفارقة التي ليس لها تعلق بالهيولى أصلا . ولذلك يكون « 5 » العقل والمعقول فيها أكثر في معنى الاتحاد مما هو فينا . فإن العقل منا وإن كان هو المعقول بعينه ، ففيه تغاير ما من جهة نسبته إلى الهيولى . 41 - وإذ قد لاح أن كل واحد من هذه العقول مدرك « 6 » ذاته ، فلننظر هل يمكن في واحد واحد منها أن يعقل شيئا خارجا من ذاته أم لا ، فنقول : إنه قد تبين في « كتاب النفس » أن المعقول كمال العاقل وصورته ؛ فمتى أنزلنا واحدا منها يعقل غيره ، فإنما يعقله على أنه يستكمل به ، فذلك « 7 » الغير متقدم عليه وسبب في وجوده ، وكذلك متى أنزلنا واحدا منها معلولا عن آخر فبالضرورة أن يتصوّر المعلول علته ، حتى أن هذين المعنيين منعكسان ، أعنى أن ما « 8 » تصوّر من « 9 » هذه المبادئ غيره فذلك الغير سبب له ، وما كان له منها « 10 » سبب فالمسبّب متصوّر له ، فإنه ليس يمكن في المسبب أن يتصوّر ذاته دون أن يتصوّر ما به قوام ذاته . وقد تبين أن كلّ
--> ( 1 ) ق ، م ، ح : منا . ونقترح : فينا . ( 2 ) م ، ت ، ح : ولذلك . ( 3 ) ق ، م ، ح : منا . ( 4 ) ت : ما ليس هو . ( 5 ) ق : نقول . ( 6 ) ق : يدرك . ( 7 ) ت : فلذلك . ( 8 ) ت : من . ( 9 ) م : عن . ( 10 ) ت : وما كان منها له .