ابن رشد
19
تلخيص كتاب الشعر
مقدمة لا شك في أنّ الشعر يؤثّر في الناس أكثر من الفلسفة . إما من أجل الصور الخيالية وإما من أجل التشبيه وكذلك من أجل الوزن واللحن وتكرار بعض الألفاظ فينقلنا الشاعر من حياتنا العادية ومن عالمنا المعروف إلى عالم جديد وحياة أجمل ، وهو يدفعنا إلى أن نستمر هناك في وهمنا . ولا يوجد هذا الجذب في القول الفلسفي فهو غير موجود مثلا في الأقاويل البديعة عند أبي نصر الفارابي مع دقّتها العقلية كما أنه لا يوجد أيضا عند أبي على الحسين بن سينا مع استخدامه الأسماء الغريبة الكثيرة . وتدلّ على أهمية الشعر والشاعر الألفاظ التي نشير بها إليهما وذلك أنّ اللفظ « شعر » يرجع إلى الأصل الذي معناه المعرفة أو العلم كما في قولهم « ليت شعري » فالشعر إذن في اللغة العربية هو نوع من المعرفة أو العلم كما أنّ الشاعر هو عالم بدرجة ما وكذلك عارف بدرجة ما . ونجد ما يشبه ذلك في اللغة اليونانية فإنّ اللفظ اليوناني الذي يدلّ على الشعر والشاعر يأتي من كلمة « poiein » ومعناها « عمل » أو « صنع » . فعند اليونانيين إذن الشاعر هو العامل أو الصانع والشعر هو المعمول أو المصنوع بمعنى أن الشاعر يعمل أو يصنع أو يكون بأشعاره عوالم جديدة . ويوجد دليل آخر على أهمية الشعر والشاعر وخاصة عند العرب . وذلك أنّه من المعروف ما كان يتمتّع به الشاعر عند العرب في عصر الجاهليّة من الاحترام والتشريف ومن إهدائه الهدايا النفيسة وكذلك أيضا في عصري الدولة الأموية