العلامة المجلسي

198

بحار الأنوار

وثالثها : أنه لما ذكر إنعامه عليهم بالتولية إلى الكعبة ذكر السبب الذي استحقوا به ذلك الانعام وهو إيمانهم بما حملوه أولا فقال : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " الذي استحققتم به تبليغ محبتكم في التوجه إلى الكعبة ( 1 ) . " قد نرى تقلب وجهك " قال المفسرون : كانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال لجبرئيل : وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقال له جبرئيل : إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فادع ربك وسله ، ثم ارتفع جبرئيل وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبرئيل بالذي سأل ربه ، فأنزل الله هذه الآية ، أي قد نرى تقلب وجهك يا محمد في السماء لانتظار الوحي في أمر القبلة ، وفي سببه وجهان ( 2 ) : أحدهما أنه كان وعد بتحويل القبلة عن بيت المقدس ، فكان يفعل ذلك انتظارا وتوقعا للموعود ، والثاني أنه كان يكره قبلة بيت المقدس ، ويهوى قبلة الكعبة ، وكان لا يسأل الله ذلك ، لأنه لا يجوز للأنبياء أن يسألوا الله شيئا من غير أن يؤذن لهم فيه ، لأنه يجوز أن لا تكون فيه مصلحة ، فلا يجابون إلى ذلك ، فيكون ذلك فتنة لقومهم ، واختلف في سبب إرادته صلى الله عليه وآله تحويل القبلة إلى الكعبة فقيل : لان الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم وقبلة آبائه ، وقيل : لان اليهود قالوا : تخالفنا يا محمد في ديننا وتتبع قبلتنا ( 3 ) ، وقيل : إن اليهود قالوا ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم ، وقيل : كانت العرب يحبون الكعبة ويعظمونها غاية التعظيم ، فكان في التوجه إليها استمالة لقلوبهم ليكونوا أحرص على الصلاة إليها ، وكان صلى الله عليه وآله حريصا على استدعائهم إلى الدين " فلنولينك قبلة ترضاها " أي تحبها محبة الطباع ، لا أنه كان يسخط القبلة الأولى " وإن الذين أوتوا الكتاب " أي علماء اليهود والنصارى " ليعلمون أنه الحق من ربهم " أي تحويل القبلة حق مأمور به ، وإنما

--> ( 1 ) مجمع البيان 1 : 255 . ( 2 ) في المصدر : وقيل : في سبب تقليب النبي صلى الله عليه وآله وجهه في السماء قولان . ( 3 ) في المصدر : لان اليهود قالوا : يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا .