فايز الداية
176
معجم المصطلحات العلمية العربية
فإن الإنسان وإن بلغ نهاية الكمال في الإنسانية فإن منزلته عند ذوي العقول الإلهية منزلة الصبي والحدث والغمر عند الإنسان الكامل ؛ فكما أن كثيرا من الصبيان والأغمار يستنكرون بعقولهم أشياء كثيرة مما ليست في الحقيقة منكرة ولا غير ممكنة ، ويقع لهؤلاء أنها غير ممكنة ، فكذلك منزلة من هو في نهاية كمال العقل الإنسي عند العقول الإلهية . وكما أن الإنسان من قبل أن يتأدب ويتحنك يستنكر أشياء كثيرة ويستبشعها ويخيل إليه فيها أنها محالة ، فإذا تأدب بالعلوم واحتنك بالتجارب زالت عنه تلك الظنون فيها ، وانقلبت الأشياء التي كانت عنده محالة فصارت هي الواجبة وصار عنده ما كان يتعجب منه قديما في حد ما يتعجب من ضده ، كذلك الإنسان الكامل الإنسانية لا يمتنع من أن يكون يستنكر أشياء ويخيل إليه أنها غير ممكنة من غير أن تكون في الحقيقة كذلك . فلهذه الأشياء رأى هؤلاء أن يجعل تصحيح الملل : فإن الذي أتانا بالوحي من عند اللّه جلّ ذكره صادق لا يجوز أن يكون قد كذب . ويصح أنه كذلك من أحد وجهين : إما بالمعجزات التي يعقلها أو تظهر على يديه ، وإما بشهادات من تقدم قبله من الصادقين المقبولي الأقاويل على صدق هذا ومكانه من اللّه جلّ وعزّ أو بهما جميعا . فإذا صححنا صدقه بهذه الوجوه وأنه لا يجوز أن يكون قد كذب فليس ينبغي أن يبقى بعد ذلك في الأشياء التي يقولها مجال للعقول ولا تأمل ولا روية ولا نظر . فبهذه وما أشبهها رأى هؤلاء أن ينصروا الملل . وقوم منهم آخرون يرون أن ينصروا الملة بأن ينصبوا لها أولا جميع ما صرّح به واضع الملة بالألفاظ التي بها عبر عنها ، ثم يتتبعون المحسوسات والمشهورات والمعقولات : فما وجدوا منها أو من اللوازم عنها ، وإن بعد ، شاهدا لشيء مما في الملة نصروا به ذلك الشيء ؛ وما وجدوا منها مناقضا لشيء مما في