جعفر آل ياسين

9

الفارابي في حدوده ورسومه

فالوضوح إذن قاعدة رئيسة في مذهب التعريف السقراطي ؛ أيّا كان هذا التعريف . أو كما قال حكيم أثينا نفسه « إنك لكي تعرف يجب أن تعمل صوابا ، ولكي تعمل صوابا يجب أن تفهم المعرفة في أشمل وأدقّ معانيها المرتبطة بمفاهيمها المطلقة » . إنّ مجموعة المحاورات الأفلاطونية المبكّرة ؛ مثل اوطيفرون ولاخس وخرميدس وهيبياس ، عالجت قضايا الحدّ والتعريف بشكل مباشر . وهناك محاورات عالجته بسبيل غير مباشر مثل ليسيس وبروتوغوراس . . إنّ الأمر الرئيس الذي حقّقه لنا سقراط في بحثه عن التعريفات من خلال هذه المحاورات ، ينهض على أنّ المعرفة الخلقية لا تكون معرفة صادقة إلّا بالحدّ والتعريف . وإنّ كلّ ما يحمل هذه المعرفة الخلقية ، سيكون بالضرورة في حال يوصف بأنّه ( خير ) ولا يعمل إلّا خيرا ! . إنّ اهتمام سقراط بالتعريفات الحقيقية هذه ، كان هدفه افتراض أنّها تمثّل دلالة كلّية يتوصل إليها الفرد عن طريق الحدّ ذاته ؛ كما أشرنا من قبل . . ومن المفترض أنّ هناك صفات ومتعينات عامّة مشتركة في الأشياء التي يقصد تعريفها وتحديدها . فمثلا ، إنّ وحدة الصورة مع تمثالها المصنوع من الحجر تدلان معا على مفهوم عام لا يتخصّص بهذه الصورة وهذا التمثال ، وكذلك الأمر إذا قيس إلى دلالة ( الشجاعة ) أو ( الاعتدال ) وتعريفهما . لأنّ المقصد الأساس من التعريف ، كما بسطنا من قبل ، هو الوقوف على الحدّ الكلّي للأشياء باعتبارها ( جواهر ) بذاتها . وجميع هذه الأمور تؤدي إلى تأكيد النظرة السقراطية التي تعتمد التحليل الوصفي للأشياء وتعريفاتها خاصّة ما يتعلق منها بصور الفضائل الخلقية . . ومن هنا كان التحليل السليم ، في نظر الفيلسوف ، هو الذي يقود إلى وصف ( الحدّ الحقّ ) الذي نتبيّنه في الاخلاق . لذا أحسّ سقراط ، وهو يتناول بالبحث والتنقيب هذه العملية الذهنية ، بأنّه قادر على تنظير الحدود الأخلاقية وبنائها ،