جعفر آل ياسين
36
الفارابي في حدوده ورسومه
أيّ شيء هو ؟ . . ولذلك سمّي ( الحدّ ) حدّا « من قبل أنّه شبيه بحدود الضياع والعقار ، إذ كان حدّ الدار يخص الدار وبه تتميّز عن سائر الدور وبه انحازت الدار عن ما سواها » « 35 » . ولتحقيق ذلك سلك الفارابي اليه بوسيلتين ؛ أولاهما عن طريق السماع ؛ بحيث يتخذ القول كأساس في التلقي ، والثانية عن طريق الاحتذاء - وكلاهما لا يؤديان إلى ايجاد المعنى المطلوب ، ما لم نستعن بالألفاظ الدالّة على الشيء وحدّ الشيء وأجزاء حدّه وجزئياته وكلّياته ، ورسوم الشيء وخواصّه واعراضه وما يشبهه ويقابله ، مع الأخذ بقاعدة الإبدال ؛ وذلك طبقا لما هو أعرف ؛ بحيث إن كان اسم أعرف اختير بدل المبهم منه ، والعكس بالعكس . وكذلك الأمر بالنسبة لما هو مفرد ومركّب ؛ فالأوّل منهما يسمّى إبدال الأعرف ، والثاني يسمّى تحليل الاسم . . ويسمّى إبدال الحدّ مكان اسم الشيء في لغة الفارابي ب « التحليل الاسمي للحدّ » - وقد نستعين أيضا بما ننعته بقاعدة « الشيئين » أي إبدال هذه الأشياء مكان الشيء ذاته ، فمثلا عند عدم تيسّر تصور الشيء نفسه يؤخذ لفظه ، وكذلك إذا عسر تحليل الشيء أخذ حدّه أو أجزاء حدّه بدلا عنه ، ويجوز أخذ رسمه وخاصّيته ، كما بسطنا من قبل . فها هنا قد أجمل فيلسوفنا الفارابي كلّ ما نريده نحن من خطوات التعريف ، وبقي أن نشير إلى أنّ الكلّي متى كان غير مساو للنوع في الحمل ، بل كان أعمّ من النوع المشارك له دعوناه حدّا ناقصا لذلك النوع - ومثاله قولنا « حيوان مشّاء » هو حدّ الإنسان ، غير أنّه حدّ ناقص « لأنه متوسط بين الحيوان وبين الإنسان ، ولم يوضع له اسم ، واستعمل بدل اسمه لفظ حدّه . . فلذلك متى أخذ حدّ لجنس متوسط له اسم أو لا اسم له فجعل حدّا لنوع تحته كان ذلك الحدّ حدّا ناقصا للنوع الأسفل ؛ فيكون أعمّ منه » « 36 » .
--> ( 35 ) انظر : الفارابي - المصدر السابق ، ص 78 . ( 36 ) انظر : الفارابي - المصدر السابق ، ص 78 .