جعفر آل ياسين
33
الفارابي في حدوده ورسومه
النداء ، ثم يبدل التصويتات بأخرى مختلفة ومتعددة ، وذلك حينما يقتصر في الدلالة على ما في ضميره بالإشارة إليه وإلى محسوساته ، بحيث يجعل لكل مشار إليه محدود ؛ تصويتا ما محدودا لا يستعمل ذلك التصويت في غيره . وهكذا تستمر الحال في عملية طبيعية تتميّز باستعمال آلة الإشارة وهي الإصبع من جهة ، وقرع الهواء في باطن الأنف والفم واللسان من جهة أخرى ، وذلك باختلاف حركة اللسان ذاته التي تستتبع تباين فطر المجتمعات الإنسانية بعضها عن بعض ، ومن هنا تباينت طرائق التصويت أيضا . وذلك هو السبب الأوّل في رأي أبي نصر في اختلاف ألسنة الأمم ودلالاتها التعريفية . ومن ثمّة يضيف الفارابي مؤكّدا أنّ تلك التصويتات هي الحروف المعجمية ذاتها . . ويحصل من ذلك تركيب بعض تلك الحروف إلى بعض كي تؤدي الدلالة بما في ضمير المتكلم ، فتكون هي علامات لمحسوسات يمكن الإشارة إليها ، وكذلك لمعقولات تستند إلى محسوسات يمكن الإشارة إليها أيضا . . ويتكرّر الأمر ، ويتعدّد التصويت ؛ فتتحدّد الدلالة ، فيحفظ السامع تلك ويحتذيها ، ثم يتواطأ عليها فيصطلحها اصطلاحا مع غيره من الناس . وله أن يخترع تصويتا آخر لدلالة أخرى بما يحقّق له حاجته اللغوية حتى يبلغ إلى ما يتطلع إليه من الألفاظ ومصطلحاتها ومفاهيمها ، وحدودها ورسومها . يقول الفارابي : « 31 » « فإذا استقرت الألفاظ على المعاني التي جعلت علامات لها فصار واحد واحد لواحد واحد ، وكثير لواحد ، أو واحد لكثير ، وصارت راتبة على التي جعلت دالّة على ذواتها ؛ صار الناس بعد ذلك إلى النسخ والتجوّز في العبارة بالألفاظ . فعبّر بالمعنى بغير اسمه الذي جعل له أولا ، وجعل الاسم الذي كان لمعنى ما راتبا له دالّا على ذاته عبارة عن شيء آخر متى كان له به تعلّق ولو كان يسيرا ؛ إمّا لشبه بعيد وإمّا لغير ذلك ، من غير أن يجعل ذلك راتبا للثاني دالّا على ذاته . فيحدث حينئذ الاستعارات
--> ( 31 ) انظر : الفارابي - كتاب الحروف ، تحقيق د . محسن مهدي ، بيروت 1970 ص 141 .