جعفر آل ياسين
31
الفارابي في حدوده ورسومه
وأيّا ما كانت الصورة التي عرضناها عن القدماء والتزامها بربط قضية التعريف بالماهيّة وانّ الحدّ لا يصدق أساسا إلّا على كشف هذه الماهيّة ومقوّماتها الذاتيّة - فإنّنا نجد أنّ المعلم الثاني الفارابي يميل في منهجه الفلسفي إلى نفي قدرة الإنسان على إدراك ( ذات ) الأشياء ؛ بل هو مدرك لصفاتها فحسب ! . فكأنّ المعرفة ظاهرية وليست مثاليّة جوهرية . أقول هذا ، في الوقت الذي نلحظ فيه أنّ أبا نصر سلك فيما اخترنا له من حدود ورسوم مسلك المشائية ، وذلك في تأكيده على الماهيّة في كثير من الأحيان ، متجنبا الوقوع في متاهات الظاهرية وإشكالاتها ! . . ولعلّ ظواهريته هذه ، كانت بسبب ما استشعره من صعوبات ( الدلالة الكلّية ) للأشياء وتباين درجاتها في الأحكام والتحديد ؛ بحيث لا تبدو - رغم كلّيتها - مطلقة في المعنى المقصود من مفاهيمها . ولا بدّ من التأكيد هنا بأنّ الدلالة الكلّية ، في جميع الحالات ، هي أمر ضروري في قيام عملية التعريف الفارابية ؛ خاصة ما يتعلق منها بعناصرها الرئيسة : الجنس القريب والفصل النوعي ( كما أوضحنا من قبل ) . وبشكل عام ، فإنّ كلّ كلّي هو إمّا جنس وإمّا فصل ، وإمّا نوع وإمّا خاصّة ، وإمّا عرض . فما دلّ منه على ماهيّة أعمّ سمي جنسا ، وما دلّ منه على ماهيّة أخصّ سمي نوعا ، وما دلّ منه على إنّية الشيء سمّي فصلا . في ضوء هذا ، فإنّ الحدّ ، بادئ ذي بدء في رأي أبي نصر ، هو ما كان تركيبه تركيب تقييد ؛ يشرح المعنى المدلول عليه باسم ما ، بالأشياء التي بها قوام ذلك المعنى . أو بعبارة أخرى ؛ هو تلخيص الأجزاء التي بها يتجوهر الشيء ، بحيث يعرف معناه وماهيّته ، ملخصا ومفصلا بالأشياء التي بها قوامه . وبهذا تعود الحدود مؤلفة من أشياء أكثر من واحد ، وبمنزلة ما تؤلّف البراهين . غير أنّ تأليف الحدود يخالف تأليف البرهان من حيث إنّ تأليف أجزاء الحدود صيغته صيغة يكون بها بعض أجزائه حكما والآخر محكوما عليه ،