جعفر آل ياسين
25
الفارابي في حدوده ورسومه
استكشاف حالها للنفس وتحصيل صورها الجوهرية في العقل » « 23 » . مؤكّدا في الوقت ذاته أنّه استعمل لفظ ( الحدّ ) على الاتساع ، فتجاوز به حدود الجوهرية إلى الوصف ، فاستعان بالجنس البعيد أو القريب مع الخاصّة ، فكوّن بذلك صورة من صور ( الرسم ) . ولم يبح جابر لنفسه الخروج على قاعدة الاستقراء والاستنباط عند بحثه عن جواهر الأشياء في حال ترسيم حدودها . وكان واضح الميل - من الناحية العلمية - إلى نبذ طرائق ( الحكم المطلق ) على الأشياء الذي يعتمد الجانب الشكلي للأسباب ومسبباتها ، لأنّ ذلك في رأيه يؤدي إلى إيقاف القدرة الإلهية التي لا تحدّ ولا تحصى . . . ومن هنا وجدناه يحدّد خطواته بثلاثة أصول : أولا : أن يستوحي العالم مشاهداته فرضا يفرضه ليفسر الظاهرة المراد تفسيرها . ثانيا : أن يستنبط من هذا الفرض نتائج تترتب عليه من الوجهة النظرية الصرف . ثالثا : أن يعود بهذه النتائج إلى الطبيعة ليرى هل تصدق أو لا تصدق على مشاهداته الجديدة ؛ فإن صدقت تحوّل الفرض إلى قانون علمي يركن إلى صوابه في التنبؤ بما عساه أن يحدث في الطبيعة ، لو أنّ ظروفا بعينها توافرت . وأود أن أذكر هنا نموذجا طريفا يسوقه جابر لايضاح طريقته العلمية والعقلية في ( الحدّ ) حيث يضرب لنا المثل بتعريف الإيقاع فيقول : « إنّه تأليف .
--> ( 23 ) انظر : جابر بن حيان - مختار رسائل جابر بن حيان ، ص 97 - 98 . . ومن طريف ما يقوله عن رسالته في الحدود : « ليت شعري كيف يتمّ عمل لمن لم يقرأ كتاب الحدود من كتبنا ، فإذا قرأته يا أخي فلا تجعل قراءتك له مثل قراءة سائر الكتب ، بل ينبغي أن تكون قراءتك للكتب مرّة في الشهر . وأما « الحدود » فينبغي أن ينظر فيه كل ساعة - . . وإنّ اعطاء الحدّ أعظم ما في الكتاب » . انظر : الرسائل ص 138 .