جعفر آل ياسين
23
الفارابي في حدوده ورسومه
الحدّ في رأيهم يدلّ على ماهيّة الشيء ، ويتركب بالضرورة من الجنس القريب والفصل النوعي ، ويتميّز بأنّه لا يكتسب بقياس شرطي يوضع فيه حدّ أحد الضدّين فيستنتج به حدّ الضدّ الآخر ؛ لأنّ في هذا مصادرة على المطلوب . بل هو ، في تصوّرهم ، لا يقتنص بالاستقراء ولا يبيّن بقياس ؛ لأنّ الذي يعلم الحدّ يعلم وجود الشيء المحدود ، فإذا فرضنا أنّ الحدّ يبيّن بالبرهان ، فهل يبرهن وجود الشيء في الوقت نفسه ؟ . . بينا نحن نعلم أنّ وجود الشيء ، في مذهب معظم الفلاسفة ، ليس جزءا من ماهيّته ! . فلا سبيل إذن إليه لا بقياس ولا استقراء ؛ فلا بدّ عندئذ من أن يكتسب الحدّ بالتركيب . أما التعريف فيقصد به تحصيل صورة الشيء في الذهن أو توضيحها . مع التمييز في العملية ذاتها بين الذي يعرّف ( مع ) الشيء ، والذي يعرّف ( به ) الشيء - فالأوّل « إذا استتمت المعرفة بتوافي المعرّفات للشيء مما عرف الشيء وعرف هو معه . ولا تكون المعرفة به تسبق معرفة الشيء حتى يعرف به . فذلك لا يكون جزءا من جملة تعريف الشيء » وبالنسبة إلى الثاني ، فهو ممّا يعرف بنفسه ، ويصير جزءا من تعريف الشيء ؛ إذا أضيف إليه جزء آخر توصل إلى معرفة الشيء « 20 » . . ومن هنا مال هؤلاء إلى القول بأنّ الذي يتعرف ( به ) الشيء هو أقدم تعرّفا من الشيء ذاته ، والذي يتعرّف ( معه ) الشيء ليس أقدم معرفة منه . . والأمر الرئيس فيما قررناه من موقفهم هذا هو : أنّ كلّ حدّ تعريف ، وليس كلّ تعريف حدّا . ومن طريف ما يورده عثمان بن جنّي عن ( الشيء ) قوله : « الشيء إنّما يعرّفه غيره ؛ لأنّه لو كانت نفسه تعرّفه لما احتاج أبدا أن يعرّف بغيره ؛ لأنّ نفسه في حالي تعريفه وتنكيره واحدة ؛ موجودة غير مفتقدة . ولو كانت نفسه
--> ( 20 ) قارن كتاب المؤلف - المنطق السينوي ، بيروت 1983 ص 28 - 29 .