جعفر آل ياسين
14
الفارابي في حدوده ورسومه
وليس يمكن ، فيما أعتقد ، أن تكون حضارة مزدهرة متألقة في أمّة من الأمم ؛ ما لم تواكبها جنبا إلى جنب حضارة ( المصطلح العلمي ) الذي يكوّن بحدّ ذاته الإطار العام لفكر تلك الأمّة وعقلانيتها وتقدمها الإنساني ، كي تتبلور لها عندئذ سمات الثقافة الحقّة في مضامير حياتها المتشعبة ، لتصل في النهاية إلى تحقيق غاياتها المثلى في النظر والعمل معا لبناء صرحها الحضاري الشامخ . . فكلّما أحسنت الأمّة الدّقة والرؤية والعمق في تعريفاتها وتحديداتها ورسومها ؛ بدت أكثر تألقا ونضارة على غيرها من الأمم المعاصرة لها . . . ولا نفتقر إلى الأمثلة الواقعية على هذا الذي نقول ؛ فلقد أوجزنا في حديثنا السابق الجهد الذي أنجزته حضارة اليونان في هذا السبيل كي تصل إلى مفاور هذه المعرفة ! . . ولقد كان من نصيب حضارتنا العربية في مرحلة تفتحها وفي عصر التنوير الفكري ؛ أن حقّقت أيضا ما حقّقته أمم من قبلها - فعمل رجالها ومفكروها على صياغة المصطلح العلمي بما تيسّر لهم يومذاك من أدوات اللغة ومفرداتها مقرونة بطبيعة التطلّع إلى الاشتقاق والترادف والبناء الجديد لمفاهيم في العلم ، كان الناس فيما ثقفوه من معارف الغرب والشرق الوافدة عليهم مترجمة أو معرّبة ، في مسيس الحاجة إلى صياغتها وتحديد مضامينها وأشكالها . ولقد كان للعربية موقفها الصريح والدقيق نحو هذا الجديد ، فبقدر ما توسعت في الاشتقاق والمجاز - كما تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن - « ضيّقت باب الأخذ من الدخيل صونا للسانها ، فاستغنت إلى أقصى مدى ؛ بتطويع الألفاظ الفصحى ، لكي تؤدي المعاني الجديدة على وجه التجوّز ، ولم تلجأ إلى استعارة الدخيل إلّا عند الضرورة القصوى ، مع إخضاعه للصيغ العربية ؛ إمّا بالالحاق أو بتغيير نطقه إشعارا بتعريبه ، وقد استطاع علماء اللغة في عصر التدوين أن يستخلصوا قواعد لمعرفة المعرّب ؛ تشهد بأنّ الأمر لم يترك لفوضى