جعفر آل ياسين

12

الفارابي في حدوده ورسومه

موقفه هذا يهدف أساسا إلى تنمية القواعد العملية للسلوك الإنساني ؛ ذلك المقصد الذي كان هاجسه الذي لم يفارقه طيلة حياته . . ورغم ذاك ؛ فإنني أقول إنّ في التحليل الصوري والشكلي الذي نجده في بعض محاورات سقراط ؛ كمحاورة مينون ولاخس وبروتاغوراس والجمهورية ، ما يؤكّد لنا قيام محاولة ( الحدّ ) الذاتية المجرّدة - سواء كانت وسيلة للتدليل العملي ، أم كانت غاية تقصد لذاتها ، فهي تمثّل تركيبا جديدا لا يسعنا إنكاره في بناء نظرية التعريف . وليس بجديد دعاوة أنّ المعلم الأوّل ارسطوطاليس كان ، ولا يزال ، المنظّر الحقيقي لهذه المواقف جميعها ؛ وذلك من خلال بنائه للصرح المنطقي الذي كان بدعته الأصيلة ، وما أظهر من جديده في نظرية التعريف التي قدمها في ( علم الآلة ) - هذا العلم الذي لعب دوره الكبير في الفكر الإنساني قديمه وحديثه ، وخاصة في الفكر العربي خلال ازدهاره الحضاري . . ولكن رغم ذاك ، فإنّ نظرية التعريف الأرسطوطالية لم تخل - سواء بصورتها الخاصّة أو بمشائيتها العامة التي ميّزت بين الحدّ الحقيقي والحدّ الاسمي - من انتقاد لطريقتها أو رفض لوسائلها من قبل مناطقة اليونان كالمدرسة الرواقية مثلا ، ومن بعض مناطقة المسلمين : فقد شاد الرواقيون « نظرية التعريف » بعيدا عن منهجية المعلم الأوّل ، فلم يبرحوا قضايا الجنس والنوع والماهيّة ؛ بل تمسكوا بمفهوم ( الرسم ) أو ما يسمى بالتعريف الناقص المؤلّف من خواص الشيء ، حيث ذهب فلاسفتهم إلى أنّ التعريف هو « ذكر ما هو خاصّ بالموجود المعرّف ، وهو قضية يمكن فيها استبدال الموضوع والخواص بعضها ببعض . أو هو تعبير يبسط فيه القول عن الشيء دون إخلال به أو ابتعاد عن مميّزاته وخواصّه - وبهذا أصبح التعريف عند الرواقيين لغويا بعد أن كان قبلهم ميتافيزيقيا » « 5 » . أما لدى المسلمين ؛ فقد كان موقفهم أكثر وضوحا في هذا السبيل ،

--> ( 5 ) انظر : د . عثمان أمين - الفلسفة الرواقية ، القاهرة 1959 ، ص 128 - 129 وقارن أيضا : Gerad Watson - TheStaic Theoryof Knowledge , Oxford 1966 pp . 35 , 40 , 52 .