أبو نصر الفارابي

86

الجمع بين رأيي الحكيمين

خامسا - معنى الجوهر عند أفلاطون وعند أرسطو ومن ذلك أيضا ، امر الجواهر ، وان التي منها اقدم ، عند ارسطوطاليس غير التي منها اقدم ، عند أفلاطون . فان أكثر الناظرين في كتبهما يحكمون بخلاف بين رأييهما في هذا الباب . والذي « 44 » حداهم إلى هذا الحكم ، وهذا الظن ، هو ما وجدوا من أقاويل أفلاطون في كثير من كتبه ، مثل كتاب « طيماوس » ، وكتاب « بوليطيا « 45 » الصغير » ، دلالة على أن أفضل الجواهر واقدمها وأشرفها ، هي القريبة من العقل والنفس ، البعيدة عن الحس والوجود الكياني . ثم وجدوا كثيرا من أقاويل ارسطوطاليس في كتبه ، مثل كتابه في « المقولات » « 46 » ، وكتابه في « القياسات الشرطية » ، يصرح بان أولى الجواهر ، بالتفضيل والتقديم ، الجواهر الأول ، التي هي الاشخاص . فلما وجدوا هذه الأقاويل ، على ما ذكرناه من التفاوت والتباين ، لم يشكوا في أن بين الاعتقادين خلافا . والامر كذلك لان من مذهب الحكماء والفلاسفة ان يفرقوا بين الأقاويل والقضايا في الصناعات المختلفة ، فيتكلّمون على الشيء الواحد في صناعة « 47 » بحسب مقتضى تلك الصناعة ؛ ثم يتكلمون على ذلك الشيء بعينه ، في صناعة أخرى ، بغير ما تكلموا به أولا . وليس ذلك ببديع ولا مستنكر ؛ إذ مدار الفلسفة على القول من حيث ومن جهة ما . كما قد قيل إنه « 48 » لو ارتفع من حيث ومن جهة « 49 » ما ، بطلت تلك العلوم والفلسفة . ألا ترى أن الشخص الواحد ، كسقراط مثلا ، يكون داخلا تحت الجوهر ، من حيث هو انسان ، وتحت الكم من حيث هو ذو مقدار ، وتحت الكيف من حيث هو ابيض أو فاضل أو غير ذلك ؛ وفي المضاف ، من حيث هو أب أو ابن ؛ وفي الوضع ، من حيث هو جالس أو متّك . وكذلك سائر ما أشبهه . فالحكيم ارسطوطاليس ، حيث جعل أولى الجواهر ، بالتقديم والتفضيل ، اشخاص الجواهر ، انما جعل ذلك في صناعة « المنطق وصناعة الكيان » ، حيث راعى أحوال الموجودات القريبة إلى المحسوس الذي منه يؤخذ جميع المفهومات ، وبها قوام الكلي المتصور . واما الحكيم أفلاطون ، فإنه حيث جعل أولى الجواهر ، بالتقديم والتفضيل ، الكليات ، فإنه انما جعل ذلك فيما « بعد الطبيعة » وفي « أقاويله الإلهية » ، حيث كان يراعي الموجودات البسيطة الباقية ، التي لا تستحيل ولا تدثر .

--> ( 44 ) « ا » والذي ؛ « ب » في الذي . ( 45 ) « ا » « ب » لو يعطي ؛ « د » بوليطيا . ( 46 ) « ا » « ب » المعقولات ؛ « د » المقولات . ( 47 ) « ا » طباعه ؛ « ب » صناعة . ( 48 ) الكلام [ انه . . . من جهة ما ] ناقص في « ب » . ( 49 ) الكلام [ انه . . . من جهة ما ] ناقص في « ب » .