أبو نصر الفارابي

68

الجمع بين رأيي الحكيمين

لمصر والهند وفارس . « وكانت هذه الحضارة الهلنية تجهل ، قدر المستطاع ، ذاتية الأمم واستقلالها بعضها عن بعض وتضع مكان ذلك الانسانية التي تسود بينها المساواة وتغذيها ثقافة واحدة . وهذه الثقافة ، وان قامت على أساس الثقافة اليونانية القومية ، الّا انها تمحو الطابع القومي وتريد ان تقيم مقامه عبادة الانسانية عامة » « 1 » . ولكن الهلنية اصطدمت في الشرق بلغة جديدة ودين جديد . « فلم يكن العرب هلنيين الّا قليلا ، اي كانوا إذا شعبا جديدا . فالذين كانوا كذلك هم الشعوب الهلنية في البلاد التي فتحها العرب وغزوها . والآن كيف بدا هذا التراث القديم لهم ؟ ظهر لهم هذا التراث في ثوب الهلنية المتأخرة ، اعني في صورة المسيحية الشرقية واليهودية اللاحقة على التوراة ، ثم في صورة المانوية والزرادشتية المشبعة بالروح اليونانية . فكأن تراث الأوائل قد شاعت فيه آنئذ روح شرقية عميقة ، وكان أكثر شرقية مما كان في الغرب ، ولو أن المسيحية في الغرب لا تستطيع ان تنكر ينبوعها الشرقي » « 2 » . ويرى ( بكر ) ان حماسة الخليفة المأمون للعمل على ترجمة أكبر عدد ممكن من مؤلفات الفلاسفة اليونانيين إلى العربية ، « وهي حماسة غير مفهومة ولا معهودة في الشرقيين » لا تفسر الّا برغبة المسلمين في التحالف مع الفلسفة اليونانية لمحاربة الغنوصية ( واذن الصوفية ) التي كانت تهددهم دينيا وسياسيا . ولذلك لم يحفلوا بمؤلفات هوميروس وغيره من الكتاب والشعراء ، لأنها لا تفيدهم في هذا النضال ، بل اهتموا بكل ما هو صادر عن العقل اليوناني ، كالمنطق والفلسفة والعلوم . فقد فتحت له الأبواب على مصراعيها ، ولا في العالم الاسلامي رواجا منقطع النظير . ولما كان نتاج الفكر اليوناني يشمل مختلف ميادين المعرفة ، فلم يشعر المسلمون بحاجة إلى أن يضيفوا اليه شيئا جديدا ، بل بوبوه ونظموه واصلحوا اخطاءه وتعمقوا في فروعة . « لذلك لم تجد الحضارة الهلنية في العالم الاسلامي افكارا وعلوما تصطدم بها ، فيحصل بين الحضارتين احتكاك وتصارع ، اللهم الّا في حقل الدين ، حيث قام صراع جبار بين أهل النقل وأهل العقل ، اي بين اتباع الوحي واتباع الفلسفة ، وقامت المحاولات اليائسة للتوفيق بين هذين المصدرين من مصادر المعرفة ، دون ان تكلل هذه المحاولات بالنجاح » « 3 » .

--> ( 1 ) الدكتور عبد الرحمن بدوي - ترجمة مقال بكر في « التراث اليوناني » ص 4 . ( 2 ) كارل هنرش بكر : « تراث الأوائل في الشرق والغرب » ترجمة عبد الرحمن بدوي في « التراث اليوناني » ص 6 . ( 3 ) الدكتور خليل الجر : « تاريخ الفلسفة العربية » ج 2 ص 39 .