أبو نصر الفارابي

65

الجمع بين رأيي الحكيمين

اما الفلسفة ، فان المأمون اعتنى بها عناية كبرى . ويذكر ابن النديم أحد الأسباب التي من اجلها كثرت كتب الفلسفة في عصر المأمون ، فيقول : « ان المأمون رأى في منامه كأن رجلا ابيض اللون ، مشربا حمرة ، واسع الجبهة ، مقرون الحاجب ، اجلح الرأس ، أشهل العينين ، حسن الشمائل ، جالس على سريره . قال المأمون : وكأني بين يديه قد ملئت له هيبة . فقلت : من أنت ؟ قال : انا ارسطاليس . فسررت به وقلت : أيها الحكيم ، أسألك ؟ فقال : سل . قلت : ما الحسن ؟ قال : ما حسن في العقل . قلت : ثم ما ذا ؟ قال : ما حسن في الشرع . قلت : ثم ما ذا ؟ قال : ما حسن عند الجمهور . قلت : ثم ما ذا ؟ قال : ثم لا ثم . ( الفهرست ص 339 ) . ومهما يكن من صحة هذا الحلم فان المأمون كان ذا ثقافة واسعة ، وانه اتصل بملوك الروم وجمع عددا كبيرا من كتبهم وامر بترجمتها . وقد ظهر ميل المأمون إلى الفلسفة في انتصاره للمعتزلة الذين اعتمدوا على العقل في دفاعهم عن الدين ، كما وانهم حاولوا تفهم الدين على ضوء العقل ، والدفاع عنه ضد أعدائه المتذرعين بالفلسفة . ومما ساعد كذلك على ترجمة التراث القديم ، انتقال الخلافة من دمشق إلى بغداد ، حيث كانت الثقافة الفارسية طاغية ، وهي ثقافة عريقة في الحضارة . ثم لما عمت اللغة العربية البلاد التي دخلت تحت الحكم الاسلامي ، اضطر العلماء ان يتخذوها لغة لهم يتفاهمون بها مع الحكام . فاخذوا يترجمون إليها ما كان لديهم من علوم في لغتهم الأصلية أو اللغة اليونانية التي كانت لغة العلم . ثم أصبحت الثقافة متعة عقلية . وساعد على الاهتمام بها تشجيع الخلفاء وما كانوا يعقدون من مجالس مناظرات في قصورهم ، وكان يشترك الخليفة في ما يدار من نقاش . قيمة الترجمات العربية يذكر ابن النديم أحيانا قيمة بعض المترجمين ، فيقول مثلا : « حنين بن إسحاق كان فصيحا باللغة اليونانية والسريانية والعربية . . . ( الفهرست ص 409 ) » . ويقول في إسحاق بن حنين : « في نجار أبيه في الفضل وصحة النقل من اللغة اليونانية والسريانية إلى العربية ، وكان فصيحا بالعربية ، يزيد على أبيه في ذلك » ( الفهرست ص 415 ) ، وعن قسطا بن لوقا البعلبكي : « جيد النقل ، فصيح باللسان اليوناني والسرياني والعربي » ( الفهرست ص 341 ) ، ويذكر : « ابن شهدي الكرخي انه نقل من السرياني إلى لعربي نقلا رديئا » ، ويقول عن « مرلاحى ، في زماننا ( زمن ابن النديم ) جيد المعرفة بالسريانية ، عفطي الالفاظ بالعربية ، ينقل بين يدي علي بن إبراهيم الدهكي من السرياني إلى العربي ويصلح نقله ابن الدهكي » ( الفهرست ص 341 ) .