أبو نصر الفارابي

43

الجمع بين رأيي الحكيمين

كل منها موجود واحد . توجد الصحة حين توجد وحدة التنسيق ، ويوجد الجمال حين تجمع الوحدة بين الاجزاء . والمقدار المتصل حالما يقسم فيعدم صفة الوحدة ويتغير وجوده . والنفس هي التي تصنع الجسم وتعطيه الصورة والنظام ، فترد الكل إلى الوحدة . وما يقال عن الوجود الجزئي يقال عن العالم في جملته : ان علة النظام فيه نفس كلية ، ولكنها أكثر وحدة من النفوس الجزئية . فان كل موجود انما هو واحد بقدر ما يحتمله وجوده : كلما قل وجوده قلت وحدته ، وكلما زاد زادت وحدته . على أن النفس بالاطلاق متكثرة ، فيها قوى عدة ، قوى الاستدلال والاشتهاء والادراك مجموعة في وحدة . فالنفس ، وهي موجود واحد ، وهي التي تدخل الوحدة في الموجودات ، ليست عين الوحدة ولكنها تشارك في الوحدة ، اي انها تقبلها من فعل موجود آخر . هذا الموجود أشد وحدة من النفس الكلية . هو العقل الكلي الحاوي في ذاته جميع مثل الموجودات . ان المعقولات مترابطة متضامنة . ، وتقتضي عقلا كليا يحويها ويدرك ترابطها ، ولكنه ليس الحد الأول ، فإنه موجود عاقل ، ولا يخلو موضوع تعقله ان يكون اما هو نفسه ، فيكون مزدوجا لا بسيطا ؛ أو مغايرا له ، فيكون الموضوع أعلى منه وسابقا عليه . فنرتقي إلى الواحد بالذات ، وقد تدرجنا في الوحدة من البعيد إلى الأقرب فالأقرب . هذا الحد الأول يجب ان نتأمله بالعقل الصرف . فما دام قبل العقل الكليّ ، فهو ليس عقلا ، فان العقل موجود معين ؛ والحد الأول متقدم على كل موجود ، فهو برئ من كل صورة ، حتى الصورة المعقولة ، إذ انه لما كانت طبيعة الواحد مولدة للكل ، فهي ليست شيئا مما تلد ، وإذا كنا نقول إنه علة ، فمعنى ذلك اننا حاصلون على شيء منه ، بينما هو باق في ذاته ، وليس شيئا من الأشياء التي هو علتها . فيجب ان ننفي عنه فعل التعقل والفهم ، تعقل ذاته وسائر الأشياء . وهكذا وصل افلوطين إلى مبدأ أول عاطل من المعقولات ومن التعقل ( إذ ان في التعقل انقسام : العقل الذي يعقل والموضوع المعقول ) كي يكون بسيطا تام البساطة . وهو يفهم البساطة فهما رياضيا ، ويتصور الوجود الأول كما نتصور النقطة الرياضية . فيض العالم عن الواحد : ان الواحد غير متحرك ، إذ ليس خارجه حد يتحرك اليه . فإذا جاء شيء بعده ، فلا يجيء الشيء إلى الوجود الّا إذا كان الواحد متجها إلى ذاته ابدا . ويجب القول إن ما يأتي من الواحد يأتي منه دون حركة ، دون ميل ، دون إرادة . وما ذا نتصور حوله إذا كان ساكنا ؟ نتصور اشعاعا آتيا منه وهو ساكن ، كما يتولد من الشمس الضوء الساطع المحيط بها وهي ساكنة دائما . على أن كل موجود ،