أبو نصر الفارابي
40
الجمع بين رأيي الحكيمين
وللضيافة ، مصدر لذة وفرصة لفعل الفضيلة ، كالسخاء والعفة ، فان المعدم لا يستطيع ان يسخو . وانما تنشأ الخلافات من الملكية الخاصة لفساد الناس لا لكونها خاصة ، ولو انصفوا لأشرك بعضهم بعضا في نتاجها فعوض الذي عنده أكثر على الذي عنده أقل ، فتلتقي حسنات الملكية والشيوعية وتبقى في مستوى المعيشة الحسنة ، لا تعدوه إلى الاثراء للاثراء . اما الحكومة فتختلف اشكالها باختلاف الغاية التي ترمي إليها وعدد الحكام . فمن الوجهة الأولى ، الحكومات صالحة متى كانت غايتها خير المجموع ، وفاسدة متى توخى الحكام مصالحهم الخاصة . فيخرج لنا جنسان تحتهما أنواع تتعين من الوجهة الثانية اي بعدد الحكام : الحكومات الصالحة 1 - الملكية 2 - الأرستقراطية 3 - الديموقراطية الحكومات الفاسدة 1 - الطغيان 2 - الاوليغركية 3 - الديماغوغية فالملكية حكومة الفرد الفاضل العادل . والأرستقراطية حكومة الأقلية الفاضلة العادلة ، والديموقراطية حكومة الأغلبية الفقيرة ، تمتاز بالحرية والمساواة واتباع دستور . اما الطغيان فهو حكومة الفرد الظالم ، والاوليغركية حكومة الأغنياء والأعيان ، والديماغوغية حكومة العامة تتبع اهواءها المتقلبة . الحكومة المثلى : كل واحدة من الحكومات الصالحة تقوم على مبدأ صحيح بعض الصحة لا كلها ، لذلك لا يمكن ايثار أحدها واعتبارها كاملة . فيجب ان نطبق هنا المبدأ الذي اعتمده أرسطو في الاخلاق وهو ان « خير الأمور الوسط » وان نجد طبقة من الشعب ، كما يقول أرسطو ، تكون مزاجا من ضدين ووسطا بين طرفين : هذه الطبقة هي الوسطى ، ويسميها أرسطو « بوليتية » اي الدستورية ، وهي مؤلفة من أصحاب الثروة العقارية المتوسطة يعيشون من عملهم ولا يملكون فراغا من الوقت ، فلا يعقدون الّا الجلسات الضرورية ويخضعون للدستور . فحكومتهم مزاج من الاوليغركية والديموقراطية ، مع ميل إلى هذه . وكلما كثر عددهم استطاعوا مقاومة الأحزاب المتطرفة وصيانة الدستور . ولا خوف ان يتحد خصومهم عليهم ، فإنهم لما كانوا وسطا ، كانت المسافة بينهم وبين كل ضد أقرب منها بين ضد وآخر ، لذلك يثق بهم كل فريق أكثر مما يثق باضداده . ومع كل ذلك فان أرسطو يقرر ان الحكومة لشعب ما يجب ان تقوم على اعتبار طبيعة هذا الشعب ، فهو لا يبني دولة نظرية ، ولكنه يستخدم طائفة كبيرة من الملاحظات والتجارب لتعيين الشروط الكفيلة بتحقيق الغاية من الاجتماع .