أبو نصر الفارابي

38

الجمع بين رأيي الحكيمين

نتيجة عقد . الحقيقة ان الاجتماع قائم على الطبيعة الانسانية النازعة إلى كمالها ، وان الانسان مدني بالطبع ، فهو لا يوجد بغير الأسرة ترعاه وتؤيده إلى أن يبلغ أشده . فالأسرة المجتمع الأول ، وتليها القرية ، وهي مجموع أسر تتآزر لتوفير حياة أوسع وأكمل مما تستطيعه الأسرة الواحدة . وإذا ما اتحدت القرى المتجاورة كوّنت مدينة ، اي مجتمعا تاما ، يكفي نفسه بنفسه ويكفل جميع اغراض الحياة ، الضروري منها والكمالي ، المادي منها والأدبي . ففي رأيه ، كما في رأي أفلاطون ومعظم اليونان في عصره ، المدينة أرقى المجتمعات ، ولا يرى في الإمبراطوريات سوى مجتمعات غير طبيعية تعتمد على الحرب والتجارة وتتخذهما غاية لها ، فيفسد بهما المجتمع . وما الغاية الحقة الّا الفضيلة في السلم والقناعة ؟ الأسرة : هي الخلية الاجتماعية . تتألف الأسرة من الزوجين والبنين والعبيد . اما الزوجان فبينهما تفاوت : الرجل أكمل عقلا من المرأة ، فهو رأس الأسرة واليه يرجع تدبير شؤون الدولة ، ويرجع للمرأة العناية بالبنين وبالمنزل تحت اشراف الرجل : ذلك ما تريده طبيعة كل منهما ، وليس بصحيح ما قال أفلاطون من أن الطبيعة جعلت المرأة مساوية للرجل وهيأتها للمشاركة في الجندية والسياسة . واما البنون فهم لوالديهم كما يدل عليه الميل الطبيعي ، وقد ظن أفلاطون ان شيوعية الأطفال توسع دائرة التعاطف ، ولكنها في الحقيقة تؤدي إلى انتفاء المحبة والاحترام ؛ لان الطفل الذي هو ابن الجميع ليس ابن أحد . هذا إلى أن تشابه الأطفال والوالدين يكشف القرابة حتما ، فتزول الشيوعية ويعود الميل الطبيعي من جانب الوالدين نحو أولادهم . وأخيرا العبيد وظيفتهم تحصيل الثروة الضرورية للأسرة والقيام على خدمتها . ذلك بان « المواطن » رجل حر حبته الطبيعة ذكاء وشجاعة فبنى لنفسه مدينة وفرغ لسياستها وخصص حياته لخدمتها في السلم والحرب ؛ فلا يتسع وقته للعناية بشؤون معاشه وتأبى عليه كرامته ان يتنزل للأعمال اليدوية يزاولها ، فيشوه يديه وخلقته ، ويظهر بمظاهر وضيعة . فكان لا بد له ممن يتكفل بذلك دونه . وقد أو جدت الطبيعة شعوبا قليلي الذكاء ، أقوياء البنية ، فقدمت له منها « آلات حية » ، أولئك هم العبيد . ويقول أرسطو في كتاب : « السياسة » ( المقال 1 فصل 3 - 7 ) : « فمن الناس من هم أحرار طبعا ، ومنهم عبيد طبعا ، ان شعوب الشمال الجليدي وأوروبا شجعان ، لهذا لا يكدر أحد عليهم صفو حريتهم ، ولكنهم عاطلون من الذكاء والمهارة والأنظمة السياسية الصالحة ، لهذا هم عاجزون عن التسلط على جيرانهم . اما الشرقيون فيمتازون بالذكاء والمهارة ولكنهم خلو من الشجاعة ولهذا هم مغلوبون ومستعبدون إلى الأبد . واما الشعب اليوناني فيجمع بين الميزتين : الشجاعة والذكاء ؛ كما أن بلده متوسط الموقع ، لهذا هو يحتفظ بالحرية ، ولو أتيحت له الوحدة لتسلط على الجميع » . إذا فاليوناني