أبو نصر الفارابي

36

الجمع بين رأيي الحكيمين

واما الشرف أو تكريم الناس إيانا فهو أيضا ظاهرة مصاحبة لشيء آخر : فإن كان لمنصب أو مال كان متعلقا بالناس أكثر منه بنا ، يمنحونه كما يرون ، وكان على كل حال شرفا كاذبا . وان كان لفضل كان الفضل خيرا لأنه علته ولأنه الصق بالنفس . فليس الشرف غاية في ذاته . تبقى الحكمة ، وفيها السعادة الحقيقية ، ذلك لان لكل موجود وظيفة يؤديها ، وكمال الموجود أو خيره يقوم في تمام تأدية وظيفته . وللانسان ، بما هو انسان ، وظيفة خاصة يمتاز بها ، ليست هي الحياة النامية ولا الحياة الحاسة ، ولكنها الحياة الناطقة . واذن فخير الانسان يقوم بمزاولة هذه الحياة على أكمل وجه ، لأنه ان عدل عنها إلى اللذة شابه البهائم وفقد انسانيته ، وان اخذ بها عادت عليه بلذة لا تعادلها لذة نقاء ودواما ، وصار انسانا بمعنى الكلمة . وإذا اتبعنا الحكمة وحكمنا العقل في جميع افعالنا طبعنا قوانا واستعداداتها على حالات معينة هي ما يسمى بالفضائل ؛ كما أن اتباع الشهوة يطبع القوى على حالات أخرى مضادة هي الرذائل . فليست الفضيلة والرذيلة طبيعيتين ، وانما الفضيلة تكتسب وتتعلم كما يتعلم اي فن باتيان افعال مطابقة لكمال ذلك الفن . وتفقد الفضيلة باتيان افعال مضادة لها . والافعال ، بالاجمال ، منها ما هو افراط ، ومنها ما هو تفريط ، ومنها ما هو وسط بين الطرفين . فبناء على هذه المقدمات نعرف الفضيلة بأنها « ملكة اختيار الوسط العدل بين افراط وتفريط كلاهما رذيلة » . نقول : « ان الفضيلة ملكة » ، ونعني بذلك انها حال للنفس مكتسبة بالمران ، وطبيعة ثانية ولدها التكرار . فلا يعد الرجل سخيا أو عدلا ، أو عفا حقا الّا إذا سخا ، أو عدل ، أو عف دائما ومن غير عناء ؛ كما أن المصور مثلا لا يعد مصورا حقا الّا إذا زاول التصوير حتى يجيده من غير عناء . وكذلك الحال في كل صاحب فن أو صناعة ، كالطبيب ، والجراح ، والحداد ، والكاتب الخ . اما الفعل الفاضل المفرد أو المتكرر في فترات بعيدة ، فليس بينه وبين الفعل الصادر عن ملكة الفضيلة سوى شبه ظاهر فقط ، لأنه غير صادر عن حال راسخة في النفس ، ولا يدل على أن النفس اختارت الفضيلة حالا لها وغاية . نقول : « ان الفضيلة ملكة اختيار الوسط العدل » ، ونقصد بالوسط لا الوسط الرياضي الواقع على مسافة واحدة من طرفين فلا يتغير ، بل وسطا بالإضافة الينا ، متغيرا تبعا للافراد والأحوال . فمثلا الوسط الحسابي بين الحد الأقصى والحد الأدنى لما يستطيع الانسان ان يتناوله من غذاء يزيد على حاجة المبتدئ بالرياضة ، ويقل عن حاجة المصارع ، ولكن المقدار اللازم للمصارع وسط عدل بالإضافة اليه ، وان زاد كثيرا عن حاجة الرجل العادي أو الضعيف المريض ، كما أن المقدار اللازم للمريض وسط