أبو نصر الفارابي

33

الجمع بين رأيي الحكيمين

اما المحسوس بالعرض ، فهو مثل ان ندرك ان هذا الأبيض ابن فلان ، فان هذا الادراك الثاني محسوس بالعرض لاتصاله عرضا بالأبيض ، ولان الحس لا ينفعل به من حيث هو كذلك . الحواس آلات حياة كما انها آلات ادراك . وهي تترتب من هذين الوجهين ترتيبا عكسيا : فباعتبارها آلات حياة ، اللمس أول ، لأنه ضروري لوجود الحيوان ، يدرك به النافع والضار واللاذ والمؤلم ، وهو حاسة الطعام والشراب . اما سائر الحواس فلا تفيد الوجود ، بل كمال الوجود ، لذا قد لا توجد في بعض الحيوان مع وجود اللمس . والذوق يلي اللمس ، ثم الشم . اما البصر والسمع فهما من هذه الوجهة كماليان . - اما باعتبار الحواس آلات ادراك فالبصر أول ، لأنه يظهرنا على موضوعات أكثر ، خاصة ومشتركة بالعرض ، وعلى فوارق أكثر ؛ فان الأشياء جميعا ملونة ومن ثمت داخلة في نطاقة . والسمع في المحل الثاني ، لأنه وسيلة للتفاهم والتعليم والترقي ، ثم الشم لمشابهته البصر والسمع في بعد علته عن جسم الحاس ، وأخيرا الذوق فاللمس . وبعد الحواس الظاهرة الحس المشترك ، وظيفته ادراك المحسوسات المشتركة والمحسوسات بالعرض ، فيقابل بينها ويميز : بالنظر نميز الأبيض من الأسود . ووظيفته أيضا ان يجعل الحاس يدرك احساسه ، اي ان يدرك بهذا الحس انه راء أو سامع . . . ويترك الاحساس اثرا يبقى في قوة باطنة هي المخيلة ، فتستعيده وتدركه في غيبة موضوعه . فالتخيل احساس ضعيف ، والاحساس متعلق بالشيء ؛ اما التخيل فإنه مستقل عنه . الاحساس صورة مطابقة للشيء ، اما التخيل قد يكون اختراعا أو تأليفا . ثم إن الاحساس مفروض علينا من الخارج بينما التخيل تابع للإرادة : نتخيل ما نشاء ومتى نشاء . والتخيل يساعد على تأويل الاحساس الحاضر بالصور المحفوظة فيه . اما الذاكرة فإنها قائمة على المخيلة . وهما في بعض الحالات يتشابهان إلى حد يتعذر معه التفريق بينهما ، غير أنهما يفترقان في أن المخيلة تقتصر على ادراك الصورة ، بينما الذاكرة تدرك ان هذه الصورة هي صورة شيء قد سبق ادراكه ، فهي تتعلق بالماضي . والذاكرة قد تؤدي وظيفتها عفوا ، وقد تستحثها الإرادة ؛ ويسمى هذا النوع الثاني تذكرا ، وهو خاص بالانسان لأنه يستلزم التفكير . النفس الناطقة : هي نفس الانسان ، تجمع إلى وظيفتيها الخاصتين بها ، وهما العقل والإرادة ، وظائف النفس النامية ووظائف النفس الحاسة . والعقل قوة ادراك المجردات . والمعقولات ( المجردات ) موجودة بالقوة في الصور المحسوسة . ولما كان العقل بالقوة ( اعني فيه استعداد لتقبل المجردات ، المعقولات ) فلا بد من شيء بالفعل يستخلص المعقولات من الماديات الجزئية المحسوسة ، ويطبع بها