أبو نصر الفارابي

31

الجمع بين رأيي الحكيمين

كغاية . ( لما لاحظ أرسطو النظام في حركات الأفلاك وحركات الكائنات من القوة إلى الفعل تسائل عن سبب هذا الاتجاه نحو الكمال . فوجد أن الحل الوحيد هو القول بكائن مطلق الكمال ، موجود ، والعالم يحاول أن يحاكيه في كماله ، ولكنه لن يدركه ابدا لان العالم مادي ) . . ويقول أرسطو ان اللّه يحرك كمعقول ومعشوق : بما انه فعل محض وكمال مطلق فهو يعقل ذاته ، فالتعقل فيه عين المعقول . وإذا عقل غيره فقد عقل أقل من ذاته ، وانحطت قيمة فعله ، فان من الأشياء ما عدم رؤيته خير من رؤيته . ففي اللّه العاقل والمعقول والعقل واحد . اما من جهة ان اللّه معشوق فهو « علة الخير في العالم ، فإننا نرى كل شيء منظما في ذاته ، ونرى الأشياء منظمة فيما بينها ، وكما أن خير الجيش نظامه ، وان القائد خيره أيضا وبدرجة أعظم لأنه علة النظام ، فكذلك للعالم غاية ذاتية هي نظامه ، وغاية خارجية هي المحرك الأول علة النظام » . فعلى هذا لا يعقل اللّه سوى ذاته ، فهو لا يعقل العالم ولا يهتم به . النفس النفس صورة الجسم الحي ، اي انها مبدأ الافعال الحيوية على اختلافها . فعلم النفس جزء من العلم الطبيعي لان موضوعه ، وهو الكائن الحي ، مركّب من مادة وصورة . والافعال الحيوية تنقسم قسمة أولى إلى : النمو والاحساس والنطق أو العقل . يضاف إلى ذلك النزوع ، لان الحاس والناطق ينزعان طبعا إلى الخير الذي يدركانه بالحس أو بالعقل . ويضاف أيضا الحركة في المكان لان من الحاس ما هو ثابت في الأرض ومنه ما هو متحرك . لذلك يعرف أرسطو النفس بأنها : « ما به نحيا ونحس ونعقل وننزع ونتحرك في المكان » . فلكل طائفة من الاحياء نفس ، وتختلف النفوس باختلاف الطوائف ، وتتعدد قواها ووظائفها كلما ارتقينا في سلم الحياة . النفس النامية : أدنى أنواع النفوس ، نجدها في النبات دون الحس والعقل . ولا يوجد الحس والعقل بدونها في الحيوان الأعجم والانسان . ولا يمكن تعليل الحياة النامية بعنصر ايا كان أو بالعناصر مجتمعة ، فان الحي ينمو أو يتناقص بعفل باطني وفي جميع اجزائه على السواء ، بينما الجماد يزيد من خارج بإضافة شيء إلى شيء ، ثم إن للنمو في الحي حدا ونسبة تابعين لنوع الحي ؛ اما الجماد فيقبل الزيادة إلى غير حد ، ذلك لان الحي يحيا وينمو ما دام يغتذي وليس الاغتذاء مجرد إضافة مادة إلى أخرى ، ولكنه تمثيل من شأنه ان يحول الغذاء إلى ذات المغتذي ، وذلك ما لا يتسنى للمادة وحدها . والتغذية تمثيل شأنه ان يحول المباين شبيها ؛ اي ان الغذاء يفقد