أبو نصر الفارابي

28

الجمع بين رأيي الحكيمين

هي مثلها . وإذا فرضناها متحققة في مادة صارت محسوسة جزئية ، اى معارضة لصفات المثل عند أفلاطون . ثم إن من المعاني الكلية ما يدل على أشياء موجودة بغيرها ، فلا يمكن ان يقابلها مثال : كيف يمكن ان يوجد مثال للمربع أو المثلث أو اي شكل رياضي ، والشكل شكل شيء بالضرورة اي موجود مع شيء لا بذاته ، وكيف يمكن ان يوجد مثال للبياض أو السواد في حين ان اللون لون شيء بالضرورة ، اي موجود مع شيء لا بذاته ؟ فإن كان هناك معان هي ذهنية صرفة ، فما الذي يمنع ان توجد المعاني جميعا في العقل دون ان يقابلها مثل ؟ الحقيقة ان المحسوسات موجودات بكل معنى الكلمة ، وان المعاني الكلية موجودات ذهنية فحسب ، يجردها العقل من المحسوسات . فارسطو يعارض أفلاطون في النقطة الأساسية من مذهبه ، وهو اذن يعارضه في نقط أخرى مترتبة عليها . إذا كانت الأجسام الطبيعية حقيقية فكيف نفسرها ؟ الهيولى والصورة : ان المشاهدة تدلنا على أن لكل جسم طبيعي خصائص وافعالا لا تفسر بالمادة وحدها ، بل بمبدإ باطن يرد المادة المنبسطة في المكان شيئا واحدا ، كما يبدو بأجلى بيان في الكائن الحي ، فإنه واحد مع تعدد اجزائه ووظائفه ، ينمو من باطن في جميع اجزائه على السواء ، ولم يكن ليتسنى ذلك لو كان مجرد مجموعة أعضاء . فلأجل تفسير الأجسام الطبيعية يقول أرسطو انها مركبة من مبدأين : « هيولى » ( والكلمة معرّبة عن اليونانية ) اي مادة أولى غير معينة أصلا وبها تشترك الأجسام في كونها أجساما ، ومن « صورة » وهي المبدأ الذي يعين الهيولى ويعطيها ماهية خاصة ويجعلها شيئا واحدا ؛ وهي ما نتعقله من الأجسام . ان الصورة هي المثال الافلاطوني انزله أرسطو من السماء ورده إلى الأشياء ، فصارت هذه حقائق بعد ان كانت عند أفلاطون اشباحا . والهيولى هي بمثابة الرخام أو الخشب قبل ان يصنع منهما شيء . فتكون الصورة بمثابة الشكل الذي يعطي للخشب أو الرخام فيصيرا تمثالا أو آلة من الآلات . ولكن لا ننسى ان الرخام أو الخشب هما أجسام طبيعية مركبة من هيولى ، ومن صورة تجعل الهيولى خشبا أو رخاما أو غير ذلك . فلا يقال للخشب أو الرخام مواد أولية الّا بالقياس إلى الشكل الذي يتخذهما ، فهما بهذا الاعتبار « مادة ثانية » وشكلهما « صورة عرضية » ، ولكنهما في أنفسهما مركبان من مادة أولى بالاطلاق ومن صورة جوهرية ، وباتحاد هذين المبدأين يتكوّن كائن واحد ، لان كل واحد منهما ناقص في