أبو نصر الفارابي
13
الجمع بين رأيي الحكيمين
كانت ذهبت اليه بعد موت سابق ، وان الاحياء يبعثون من الأموات ؛ فإذا صح هذا الرأي فان النفس لا تموت بموت الجسم . لكن هذا تسليم برأي لا تدليل . والدليل الثاني يدور على تعقل المثل : فان المثل بسيطة ، ومن ثمة فهي ثابتة ، إذ ان المركب هو الذي ينحل إلى بسائطه ويتحول ، اما البسيط فلا يجوز عليه تحول أو انحلال ، فلا بد أن تكون النفس التي تعقل المثل شبيهة بها ، على حسب القول القديم : « الشبيه يدرك الشبيه » . وعلى ذلك فالنفس بسيطة ثابتة ( الفيدون ، وهذا الدليل وارد في الجمهورية أيضا ، م 10 ) . والدليل الثالث قائم على نظرية المشاركة : لما كانت النفس حياة ، فهي مشاركة في الحياة بالذات ، ومنافية للموت بالطبع ، وليست تقبل الماهية ما هو ضد لها ؛ فالنفس لا تقبل الموت ( الفيدون ) . في نهاية حياتها الأرضية الأولى ، تعود النفس إلى العالم الآخر : الصالحة إلى السماء تنعم فيها ، والشريرة إلى احشاء الأرض تكفر عن آثامها . بعض نفوس الأشرار قد تخلد في العذاب ، وقد تفنى ، لكثرة ما تمادت في الاثم . اما باقي النفوس الشريرة ، وكل النفوس الصالحة ، فتعود ، بعد الف سنة ، إلى أجسام جديدة ، إلى تناسخ أول . تختار هذه النفوس بالقرعة نوع حياتها الجديدة ، ونوع بدنها ، فتكون رجلا أو امرأة ، أو حيوانا ؛ وتسلك سبلا من العيش لا تحصى . وقد تختار نفس صالحة حياة سيئة ، كما قد تختار شريرة حياة سعيدة . ثم تشرب كل هذه النفوس شرابا ينسيها كل ما رأت ، وتنام لتستيقظ نصف الليل ، على صوت صاعقة ، وتغور عبر السماء حتى تنتهي إلى ما اختارت من أجسام أرضية . ويتكرر التناسخ لهذه النفوس الف سنة بعد الف ، بعضها يشقى وبعضها ينعم ، إلى أن يتم لها عشرة آلاف سنة من التناسخ والجهاد . وحينئذ تعود جميعها إلى عالم الكواكب ، وتقوم بمحاولات جديدة لتطل على عالم المثل . فللنفوس البشرية ادوار : كل عشرة آلاف سنة تحاول مشاهدة المثل : ان استطاعت عاشت دورة عشرة آلاف سنة أخرى سعيدة في عالم الكواكب ، وان عجزت هبطت إلى عالم الأبدان مدة عشرة آلاف تتجسد وتتناسخ ، وتعود في نهايتها إلى عالم الكواكب لتقوم بمحاولة جديدة . الاخلاق قال السوفسطائيون : ان القانون الخلقي الذي يخشاه الناس انما هو من وضع الناس كالقانون المدني ، لا من وضع الطبيعة ، بل إن الطبيعة تأباه وتعارضه : فبحسب الطبيعة الامر الأقبح هو الأخسر ، والأخسر تحمل الظلم ، وبحسب القانون الخلقي ارتكاب الظلم هو الأخسر الأقبح .