أبو نصر الفارابي
5
الجمع بين رأيي الحكيمين
على عكس ذلك ، ان للانسان روحا يسيطر على الحس ، فغايته اذن عقلية روحية ، لا تتحقق تماما الا في العالم الآخر حين تكون النفس قد خلصت من الجسم وشواغله ، وفرغت لعملها الخاص وهو الفكر . وواجب النفس ان تتهيأ للعالم الآخر بممارسة الفضيلة ، إذ ان الفضيلة هي خيرها الحقيقي . والفضيلة علم ، والرذيلة جهل . وما ان نعلّم الانسان الفضيلة ونبصره بالخير حتى يتوجه اليهما ، اما الشرير فرجل جهل نفسه وخيره ، ولا يمكن ان يقال إنه ارتكب الشر عمدا . لقد اسخط جداله نفرا من الشعراء والخطباء والسياسيين ، فاتهمه ثلاثة من مواطنيه في أواخر أيامه « بأنه ينكر آلهة اثينا ويقول بآلهة آخرين ويفسد عقائد الشباب » وطلبوا عقابا له الاعدام . والحقيقة ان البواعث على الاتهام كانت شخصية ، ولكن المتهمين اثاروا القضاة ( وكانوا حوالي خمسمائة من عامة الشعب ) وذكروا لهم حملات سقراط على الديموقراطية الاثينية لاسرافها في المساواة بين المواطنين في الشؤون العامة دون اعتبار لأقدارهم ، ولاعتمادها في اختيار الرجال المسؤولين على القرعة دون الكفاءة وساعد سقراط من جهته على نفور القضاة منه بما ضمن دفاعه عن نفسه من ترفع وتحد ، فحكموا عليه بالاعدام . سيق إلى السجن ومكث به شهرا ، وكان أصدقاؤه وتلاميذه يترددون عليه كل يوم ، وائتمروا فيما بينهم على تهريبه وهيئوا له أسباب الهرب ، ولكنه أبى . فلما حل الاجل شرب السم ومات سنة 399 .