أبو نصر الفارابي

110

الجمع بين رأيي الحكيمين

ثالث عشر - المجازاة والعقاب ومما يظن بالحكيمين ، أفلاطون وأرسطو ، انهما لا يريانه ولا يعتقدانه ، امر المجازاة والثواب والعقاب . وذلك وهم فاسد بهما . فان أرسطو صرح بقوله ان المكافأة واجبة في الطبيعة . ويقول في « رسالته » التي كتبها إلى والدة الإسكندر ، حين بلغها بغيه وجزعت عليه وعزمت على التشكك بنفسها . وأول تلك الرسالة : « فاما شهود اللّه في ارضه التي هي الأنفس العالمة ، فقد تطابقت على أن الإسكندر العظيم من أفضل الأخيار الماضين ؛ واما الآثار الممدوحة ، فقد رسمت له في عيون أماكن الأرض « 257 » وأطراف مساكن الأنفس ، بين مشارقها ومغاربها « 258 » ؛ ولن يؤتي اللّه أحدا ما اتاه الإسكندر ، ( الّا ) من اجتباء واختيار ؛ والخير من اختاره اللّه تعالى . فمنهم من شهدت عليه دلائل الاختيار ؛ ومنهم من خفيت تلك فيه . والإسكندر اشهر الماضين والحاضرين دلائل ، وأحسنهم ذكرا واحمدهم حيوة ، وأسلمهم وفاة . يا والدة إسكندر ، ان كنت مشفقة على العظيم إسكندر ، فلا تكسبنّ ما يبعدك عنه ، ولا تجلبي على نفسك ما يحول بينك وبينه ، حين الالتقاء في زمرة الأخيار ، واحرصي على ما يقرّبك منه ؛ واوّل ذلك توليتك بنفسك الطاهرة امر القرابين في هيكل زيوس » « 259 » . فهذا ، وما يتلوه من كلامه ، يدل دلالة واضحة على أنه كان يوجب المجازاة معتقدا . واما أفلاطون ، فإنه أودع آخر كتابه في « السياسة » القصة الناطقة بالبعث والنشور والحكم ، والعدل ، والميزان ، وتوفية الثواب والعقاب على الاعمال ، خيرها وشرها . الخاتمة فمن تأمل ما ذكرناه من أقاويل هذين الحكيمين ، ثم لم يعرّج على العناد الصراع ، أغناه ذلك عن متابعة الظنون الفاسدة ، والأوهام المدخولة ، واكتساب الوزر ، بما ينسب إلى هؤلاء الأفاضل ، مما هم منه براء وعنه بمعزل . وعند « 260 » هذا الكلام نختم القول فيما رمنا بيانه ، من الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وارسطوطاليس . والحمد للّه حقّ حمده « 261 » ، والصلاة على النبي محمد ، خير خلقه ، وعلى الطاهرين من عشرته ، والطيبين من ذريته آمين .

--> ( 257 ) « ب » ناقص [ وأطراف . . . ومقاربها ] . ( 258 ) « ب » ناقص [ وأطراف . . . ومقاربها ] . ( 259 ) « ا » ريوس ؛ « ب » ايوس ؛ « د » ديوس . ( 260 ) « ا » وعند « ب » وعندهم . ( 261 ) « ا » حق حمده ؛ « ب » كفا حقه .