أبو نصر الفارابي
108
الجمع بين رأيي الحكيمين
أراد به إفاضة « 237 » العقل بالمعونة « 238 » في حفظ الصور الكلية عند احساس النفس بمفصّلاتها ، والتفصيل عند احساسها بمجتمعاتها وتحصيلاتها « 239 » ما يودعه إياها من الصور الدائرة الفاسدة . وكذلك سائر ما يجري مجراها من معونة العقل للنفس . وأراد بإفاضة النفس للطبيعة ، ما تفيدها من المعونة ، والانسياق نحو ما ينفعها ، مما به قوامها ؛ ومنه التذاذها والتلطف بها وسائر ما أشبه ذلك . وأراد برجوع النفس إلى عالمها ، عند الاطلاق من محبسها ، ان النفس ما دامت في هذا العالم فإنها مضطرة إلى مساعدة البدن الطبيعي ، الذي هو مجلها ، كأنها تشتاق إلى الاستراحة . فإذا رجعت إلى ذاتها ، فكأنها أطلقت « 240 » من محبس مؤذ إلى حيزها الملائم المشاكل لها . وعلى هذه الجهة ينبغي ان يقاس كل ما سوى ما ذكرناه من تلك الرموز . فان تلك المعاني ، بدقتها ولطفها ، تمنعت عن العبارة عنها بغير تلك الجهة التي استعملها الحكيم أفلاطون ومن سلك سبيله . وان « 241 » العقل ، على ما بيّنه الحكيم أرسطو ، في كتبه في « النفس » ، وكذلك الإسكندر ، وغيره من الفلاسفة ، هو اشرف اجزاء النفس ، وانه هي بالفعل ناجزة ، وبه تعلم الإلهيات ، ويعرف الباري ، جل ثناؤه . فكأنه أقرب الموجودات اليه شرفا ولطفا وصفاء ؛ لا مكانا وموضعا . ثم تتلوه النفس ، لأنها كالمتوسطة بين العقل والطبيعة ، إذ لها حواس طبيعية ؛ فكأنها « 242 » متحدة من أحد طرفيها بالعقل ، الذي هو متحد بالباري ، جل وعز ، على السبيل الذي ذكرناه ؛ ومن الطرف الآخر « 243 » متحدة بالطبيعة ؛ وكانت الطبيعة تتلوها كيانة « 244 » لا مكانا . فعلى هذا السبيل ، وعلى ما يشاكلها مما يعسر وصفها قولا ، ينبغي ان تعلم ما يقوله أفلاطون في أقاويله . فإنها مهما أجريت هذا المجرى ، زالت الظنون والشكوك التي تؤدي إلى القول بان « 245 » بينه وبين أرسطو اختلافا في هذا المعنى . الا ترى ان أرسطو ، حيث يريد ان يبيّن من امر النفس والعقل والربوبية حالا ، كيف يجرؤ ويتشدّق في القول « 246 » ، ويخرج مخرج الالغاز على سبيل التشبيه ؟
--> ( 237 ) « ا » « ب » إفادة ؛ « د » إفاضة . ( 238 ) « ا » بالمعونة ؛ « ب » بالفوية . ( 239 ) « ا » وتحصيلاتها ؛ « ب » وتحصيله . ( 240 ) « ا » أطلقت ؛ « ب » اطلعت . ( 241 ) « ا » ولان ؛ « ب » وان . ( 242 ) « ا » « ب » فكأنه ؛ « د » فكأنها . ( 243 ) « ا » الطرف الآخر ؛ « ب » الطرق الآخرة . ( 244 ) « ا » كيانه ؛ « ب » كناية . ( 245 ) « ب » الكلام [ بان بينه . . . . يتشدق في القول ] ناقص . ( 246 ) « ب » الكلام [ بان بينه . . . . يتشدق في القول ] ناقص .