أبو نصر الفارابي

106

الجمع بين رأيي الحكيمين

المعاني عنده ، اعني الصور الروحانية ، انه يناقض نفسه في علم واحد - وهو العلم الربوبي - فبعيد ومستنكر . واما ان بعضها لأرسطو وبعضها ليس له ، فهو ابعد جدا ، إذ الكتب الناطقة بتلك الأقاويل اشهر من أن يظنّ ببعضها انه منحول . فبقي ان يكون لها تأويلات ومعان ، إذا كشف عنها ، ارتفع الشك والحيرة . فنقول انه ، لما كان الباري ، جلّ جلاله ، بانيّته « 219 » وذاته ، مباينا لجميع ما سواه ، وذلك لأنه « 220 » بمعنى اشرف وأفضل وأعلى ، بحيث لا يناسبه في انيّته ولا يشاكله « 221 » ولا يشابهه حقيقة ولا مجازا ، ثم مع ذلك لم يكن بدّ من وصفه واطلاق لفظ فيه من هذه الالفاظ المتواطئة عليه ، فان من الواجب الضروري ان يعلم أن مع كل لفظة نقولها في شيء من أوصافه ، معنى بذاته بعيد من المعنى الذي نتصوره من تلك اللفظة . وذلك كما قلنا بمعنى اشرف وأعلى ، حتى إذا قلنا إنه موجود ؛ علمنا مع ذلك ان وجوده لا كوجود سائر ما هو دونه . وإذا قلنا إنه حي « 222 » ؛ علمنا أنه حي بمعنى اشرف مما نعلمه من الحي الذي هو دونه . وكذلك الامر في سائرها . ومهما استحكم هذا المعنى « 223 » وتمكّن من ذهن المتعلّم للفلسفة التي بعد الطبيعيات « 224 » ، سهل عليه تصوّر ما يقوله أفلاطون وارسطوطاليس ومن سلك سبيلهما . فنرجع الآن إلى حيث فارقناه ؛ فنقول : لما كان اللّه تعالى حيّا موجدا « 225 » لهذا العالم بجميع ما فيه ، فواجب ان يكون عنده صور ما يريد ايجاده في ذاته ، جلّ اللّه من اشتباه « 226 » . وأيضا ، فان ذاته ، لما كانت باقية ، لا يجوز عليه التبدّل والتغيّر . فما هو بحيّزه « 227 » أيضا كذلك باق غير داثر « 228 » ولا متغير . ولو لم يكن للموجودات صور وآثار في ذات الموجد الحي المريد ، فما الذي كان يوجده ؟ وعلى اي مثال ينحو بما يفعله ويبدعه ؟ أما علمت انّ من نفى هذا المعنى عن الفاعل الحي المريد ، لزمه ان يقول « 229 » بان ما يوجده انما يوجده جزافا وتنحّسا وعلى غير قصد ؛ ولا ينحو نحو غرض مقصود بإرادته . وهذا من أشنع الشناعات .

--> ( 219 ) « ا » بانيته ؛ « ب » ماهية . ( 220 ) « ا » « ب » له ؛ « د » لأنه . ( 221 ) « ا » يشاكله ولا ؛ « ب » ناقص [ يشاكله ولا ] . ( 222 ) « ا » حي ؛ « ب » هي . ( 223 ) « ا » المعنى ؛ « ب » ناقص [ المعنى ] . ( 224 ) « ا » الطبيعيات ؛ « ب » الطبيعة . ( 225 ) « ا » موجدا ؛ « ب » مريدا . ( 226 ) « ا » الاشتباه ؛ « ب » الأشياء ؛ « د » اشتباه . ( 227 ) « ا » حيزه ؛ « ب » حيرة ؛ « د » بحيزة . ( 228 ) « ا » مدثر ؛ « ب » داثر . ( 229 ) « ا » ان يقول ؛ « ب » القول .